مواقعنا الاجتماعية
العلامة سيدي أحمد بن خالد الناصري السلاوي (1315هـ/1879م)

الفقيه سيدي محمد بن بناصر حركات السلاوي (1316هـ/1898م)

شيخ الجماعة أحمد بن عبد النبي السلاوي (1298-1392هـ)

العلامة القاضي سيدي عبد الله بن محمد الهاشمي ابن خضراء (1324هـ/1906م)

العلامة سيدي أحمد بن موسى السلاوي (1328هـ/1910م)


شخصية عبد الله بن ياسين الحركية والجهادية -الحلقة 4

بحث للدكتور محمد صادق الخياطي



ينسبون إلى صالح بن طريف البرغواطي اليهودي الأصل من سبط شمعون بن يعقوب عليه السلام عاش بالأندلس ثم رحل إلى الشرق ومما قيل عنه تعلم على يد عبد الله المعتزلي واشتغل بالسحر وجمع فنونا من العلم وقدم المغرب فاستقر بتامسنا لموقعها، ووجد فيها قبائل من البربر فأظهر لهم الصلاح والزهد والنبوة وشرع لهم شرائع ووضع لهم قرآنا وكان يقال لمن دخل في دينه (برباطي) ثم عربته العرب فقالوا برغواطي نسبة إلى برغواطة. لقد فرض لهم صوم رجب وأكل رمضان، وخمس صلوات في اليوم وكذلك الليلة، والأضحية يوم الحادي عشر من المحرم، وفي الوضوء غسل الصرة، والخاصرتين، ثم الاستنجاء والمضمضة وغسل الوجه ومسح القفا وغسل الذراعين والمنكبين، ومسح الرأس ثلاث مرات، وغسل الرجلين من الركبتين... وبعض صلاتهم دون سجود، وهم يسجدون ثلاث سجدات متصلات، ويتزوج الرجل منهم ما استطاع من النساء، ويطلق ويراجع ما أحب، ويقتل السارق بالإقرار والبينة، ويرجم الزاني، والدية عندهم مائة رأس من البقر، ورأس كل حيوان عليهم حرام، ولا يؤكل الحوت عندهم إلا أن يذكى، والديك والبيض عنهم حرام، والدجاج مكروه إلا أن يضطر إليها. وليس عندهم أذان ولا إقامة، وهم يكتفون في معرفة الأوقات بصراخ الديكة ولذلك حرموها.

والقرآن الذي وضعه لهم صالح ثمانون سورة أكثرها منسوب إلى أسماء الأنبياء، وفيها سورة فرعون وسورة الديك، وسورة الجراد، وسورة الجمل، وسورة هاروت، وماروت، وسورة الحشر ، بعد صالح تولى ابنه "الياس بن صالح" وبعد مقتله سنة 224 تولى ابنه يونس الذي عاد إلى الشرق، فتولى الأمر أبو غفير محمد بن معاذ بن إليسع بن صالح فاستولى على ملك برغواطة وأخذ بدين آبائه فاشتدت شوكته وعظم أمره(أشار الشاعر المصمودي إلى بعض ماقام به أبوعفير) وكان له من الزوجات 44 ثم ولى بعده ابنه أبو الأنصار عبد الله بن عفير فاقتفى أثره وكان مهيبا عند حكام عصره، يهابونه ويداومونه المواصلة.

تولى بعده ابنه أبو منصور عيسى بن أبي الأنصار وهو ابن 22 سنة فسار سيرة آبائه وادعى النبوة واشتد أمره وعلا سلطانه ودانت له قبائل المغرب وكان له جيش جرار بلغ 3000 من برغواطة وحدها وعشرة آلاف من غيرهم.

(بالمناسبة حاولت القوى التي كانت تسيطر على المغرب الأقصى أن تقضي على بدعهم وكفرهم وطغيانهم وتنظف البلاد من شرورهم وآثامهم من الأدارسة، والأمويين، والشيعة وغيرهم، وقد زحف إليهم بللين من زيري بن مناد الصنهاجي وقتل أميرهم أبا منصور عيسى بن أبي الأنصار، وبعث بسببهم إلى القيروان وذلك سنة 369ه لكنهم أعادوا قوتهم من جديد وأصبحوا خطرا يهدد الدين الإسلامي وبلاد المغرب).

أصبح عبد الله بن ياسين قريبا منهم بعد زحفه على قبائلهم وأعادت الأيام ذكرى مروره من بينهم، واطلاعه على أحوالهم عندما عاد من الأندلس، حيث رأى ماكانوا عليه من الضلال والبهتان ولم يستطع أن يفعل شيئا، وهو فرد لا يملك إلا قلبه ولسانه، لقد جادلهم، وأقام عليهم الحجة وكان في ردهم شيء من عدم الاهتمام ولو علموا ما سيأتي به المقدور ماتركوا له أثرا، لكنهم تركوه حينذاك ينصرف عنهم وهو يمتلئ غضبا، فتمنى لو يملك قوة يستطيع بها أن يقضي على الفئة الضالة، فاتجه إلى الله أن يمنحه من القوة ما يقضي به على هؤلاء الفسقة الخارجين على تعاليم الإسلام، فاستجاب الله دعاءه. إن عبد الله الآن ليس وحده، إنه على حدودهم ومعه جيش الله، وإن كان قليل العدد والعدة كان قوي الإيمان بخالقه يضحي بكل ما يملك في سبيل نشر الدعوة، وهذا موطن الاستشهاد بلا منازع فقاتلهم أشد من القبائل السابقة، والقضاء عليهم أكبر خدمة تؤدى إلى دين الله الخالد.

لقد ذهب إليهم وهو أكثر حماسا وأشد قوة، ومعه قائده أبوبكر بن عمر اللمتوني.

وكعادة عبد الله بن ياسين أرسل إليهم من يخبرهم دين الرجوع إلى دين الحق وترك ما هم عليه من لهو وعبث وبين الحرب والقتال وبين لهم أن عملهم يعتبر ردة وخروجا على الملة، لكنهم لم يرضوا بغير ما هم عليه فاستعد لقتالهم ودارت بين الجمعين معارك ضاربة، اشترك فيها الإمام الداعية بالضرب والرمي وكثيرا ماكان ينزل إلى المعارك ويشارك الجيش، لقد كانت شجاعته وقوة إيمانه يجذبانه إلى الاشتراك في المعارك وكان ينسى نفسه وهو الذي ضرب الأمير والقائد يحيى بن عمر رحمه الله عشرين سوطا لأنه اشترك في القتال، على حين كان يجب عليه أن يقف عن كثب يحرض الناس ويراقب المعركة، ويقوي أماكن الضعف، ويرسم الخطة الكفيلة بتحقيق النصر.

الإمام خالف هذه القاعدة ونزل بنفسه إلى ساحة القتال يحرض الناس، ويبشر بالجنة ودرجة الاستشهاد، ونصر كلمة الله، ويعمل السيف في رقاب الضالة البرغواطيين، وبقي يقاتل حتى أصيب بجروح بالغة قاتلة إذ تجمع عليه الأعداء يطعنونه بالسيوف حتى سقط على الأرض، وحمل بعيدا عن أرض المعركة ولم تمنعه الآلام والجروح وشبح الموت من أن يؤدي واجبه نحو الدعوة التي ظل يجاهد في سبيلها إلى أن استشهد وهو يؤدي ما هيأه الله له. لقد جمع أشياخ المرابطين وحثهم على الثبات في القتال وعلى الاستماتة حتى النصر، وحذرهم من عواقب التفرقة والتحاسد، وطلب الرياسة، والتخلي عن المبادئ التي قاتل من أجلها، لقد جمع كل ذلك في آخر كلمات ألقاها على جماعة المرابطين، قال رحمه الله:

" يامعشر المرابطين، أنا ميت في يومي هذا، وأنتم في بلاد أعدائكم فإياكم أن تحنثوا (تجبنوا) وتفشلوا وتذهب ريحكم، كونوا ألفة على الحق وإخوانا في الله، وإياكم والمخالفة، والتحاسد على الدنيا، وإني ذاهب عنكم فانظروا من ترضونه لأمركم، يقود جيوشكم، ويغزو أعداءكم، ويقسم ركابكم و أعشاركم". ولقي ربه في يومه، ودفن بموضع مرتفع في مكان يعرف (بكرفلة) على مقربة من مدينة الرباط، بين الرماني وابن سليمان، وبنى مسجدا لا يزال حتى الآن وكان استشهاده يوم الأحد الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة451هـ.







2018-2000 © جميع الحقوق محفوظة