مواقعنا الاجتماعية
العلامة سيدي أحمد بن خالد الناصري السلاوي (1315هـ/1879م)

الفقيه سيدي محمد بن بناصر حركات السلاوي (1316هـ/1898م)

شيخ الجماعة أحمد بن عبد النبي السلاوي (1298-1392هـ)

العلامة القاضي سيدي عبد الله بن محمد الهاشمي ابن خضراء (1324هـ/1906م)

العلامة سيدي أحمد بن موسى السلاوي (1328هـ/1910م)


مفهوم الإصلاح في اللغة والشرع والاصطلاح

أ. د. سعيد شبار كلية الآداب والعلوم الإنسانية

جدر الإشارة، بين يدي هذا الموضوع إلى إشكالين منهجيين يتعلقان بالمصطلحات والمفاهيم في الثقافة والعلوم الإسلامية، ولهما علاقة بعنوان المداخلة ما دام التمييز فيها بخصوص الإصلاح، بين وضع اللغة ووضع الشرع والتداول التاريخي الاصطلاحي.

الإشكال الأول : يتجلى في كون كثير من الكتابات خصوصا ذات الطابع التعليمي التربوي، قد درجت في تعريفها للألفاظ على التركيز على الجانب اللغوي ثم على الجانب الاصطلاحي مع إهمال وإغفال شبه تام للمضامين الشرعية النصية المؤسسة ابتداء للمصطلح أو المفهوم.

هذا مع العلم أن الثابت الذي ينبغي أن يصاحب اللفظ في رحلته هو المضمون الشرعي لا الاصطلاح التاريخي. وقد أدى هذا الأمر إلى انسحاب تدريجي للمعاني والدلالات الشرعية لفائدة الاصطلاحات المدرسية والمذهبية التاريخية الطارئة والموقوته، بالشكل – وهنا مكمن الخطر – الذي غير وجه الثقافة الإسلامية جملة وجعلها تستمد من التاريخ أكثر من استمدادها من الوحي. الأمر الذي يستدعي وبإلحاح خوض معركة تحريرية على جبهة الذات من موروث التقاليد الراكدة التي حجبت هذه المصطلحات والمفاهيم عن الاستهداء بنور الوحي، والتي ضيقت من طبيعتها الكونية والإنسانية ومن طابعها الانفتاحي المستوعب.

وقد اشتكى الغزالي في عصره، منذ القرن الخامس، من تبدل ألفاظ العلوم وذكر ألفاظا خمسة أساسية تغيرت دلالتها الشرعية، وحاول إعادة بنائها وإحيائها وهي : (التوحيد والعلم والفقه والحكة والتزكية). (1)

كما عمل ابن حزم – على الضفة الأخرى من العالم الإسلامي – وفي نفس الفترة الزمنية تقريبا، في الإحكام، عملا مماثلا حيث رام بناء ما يربو على ثلاث وثمانين لفظا بناء جديدا (2). وقد تنبه لهذا الإشكال قلة من العلماء عالجوه في مباحث اللغة والفقه والأصول والعقائد خصوصا حيث للاصطلاح دور في بناء المفهوم.(3)

الإشكال الثاني، يتجلى في المصطلحات والمفاهيم الوافدة وبعبارة القدماء " الدخيلة " بمضامينها ودلالاتها الغربية، واحتلالها موقع الصدارة في التداول والاستعمال. فهيمنت على المصطلحات والمفاهيم الذاتية التي أضحت لا تعرف ولا تعرف إلا من خلال المعجم الغربي. الأمر الذي يستدعي خوض جبهة تحرير مفهومي أخرى تدرأ آفة الالتحاق في ثقافتنا، كما تدرأ الجبهة الأولى آفة الانغلاق فيها. وللأسف ما تزال كلتا الجبهتين من الأعمال المعطلة وغير المنجزة على خطورتهما، باعتبارهما مداخل قوية للتحريف في فكرنا المعاصر.

واعتقادي أنه لا سبيل إلى تحرير شامل في ثقافة وتدين الأمة إلا بتحرير مفاتيحهما مصطلحات ومفاهيما.

مفهوم الإصلاح في معاجم اللغة :

تذهب معاجم اللغة إلى أن الصلاح ضد الفساد، وأصلحه ضد أفسده. وقد أصلح الشيء بعد فساده، أقامه. ومن المجاز : أصلح إليه: أحسن. يقال أصلح الدابة إذا أحسن إليها وصلحت..، ويقال : وقع بينهما صلح.. وتصالح القوم بينهم، وهو السلم (بكسر السين المهملة وفتحها).4.

وذهب أبو البقاء الكفوي في الكليات، إلى أن الصلاح هو : " سلوك طريق الهدى، وقيل استقامة الحال على ما يدعو إليه العقل. والصالح : المستقيم الحال في نفسه. وقال بعضهم " القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق العباد" (5).

فجعل رحمه الله الصلاح مترددا بين صلاح النفس في ذاتها، وصلاحها مع غيرها. مع تحديد سبل الصلاح في الهداية الشرعية والعقلية.

ومنهم من حمل الصلاح على : الاستقامة والإحسان والاعتدال، والرعاية والتعهد، والمسالمة والتوادد (6) ... وغيرها، مما يدل على سلامة الحال في الظاهر والباطن في الفرد كما في الجماعة.

من دلالات الإصلاح في القرآن الكريم والحديث الشريف :

بإمعان النظر في القرآن الكريم نجد أن مادة (ص ل ح) قد استعملت استعمالات مختلفة في سياقات مختلفة. بل إنه ليمكننا تتبع خيوط شبكة من العلاقات ينسجها القرآن الكريم لهذا المفهوم مع غيره من المفاهيم.

فمن مجموع سور القرآن الكريم المائة والأربعة عشر (114) يتوزع لفظ الصلاح توزعا متوازنا، سواء تعلق الأمر بالقرآن المكي وخصوصياته التصحيحية أو بالقرآن المدني وخصوصياته التشريعية. ورد في خمس وخمسين سورة، منها ست وثلاثون (36) سورة مكية، وتسع عشرة (19) سورة مدنية. في حوالي مائة وتسع وسبعين آية (179). منها مائة وخمس عشرة آية (115) مكية، وأربع وستون (64) آية مدنية. كما ورد في حوالي أربعة وتسعين وثلاثمائة (394) نص حديثي (5).

وجعل الله الصلاح في القرآن مقابلا للفساد، والمصلح مقابلا للمفسد، فردا كان أو جماعة. كما في قوله تعالى " والله يعلم المفسد من المصلح" (8)، و "لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" (9)، " وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون" (10)، وجعل التوبة قرينا للإصلاح تجب وتمحو أنواع الفساد المقترفة، كما جعل غيرها قرينا له في سياق من الائتلاف والتكامل، نقرأ في ذلك قوله تعالى : " من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم " (11)، " إلا الذين تابو وأصلحوا واعتصموا بالله " (12) كما قرن القرآن بين الصلاح وبين التقوى، والبر، والعفو، والإيمان... وكلها منطلقات ضرورية للعمل الإصلاحي، تشكل بالنسبة له الدعامة النفسية والروحية والأخلاقية " نقرأ في ذلك قوله تعالى : " فمن أمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (13) " فمن عفا وأصلح فأجره على الله " (14)، " أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس " (15). " فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (16).

وقوله تعالى : " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها "، فيه إشارة واضحة إلى أن صلاح الأرض ليس معناه صلاح الناس وإصلاحهم فيما بينهم فحسب، بل كذلك، وهذا الراجح والأقوى، إصلاحها بما بث فيها من سنن ونواميس وقوانين البناء والتعمير فجعلها صالحة لحياة الإنسان فيها. ومن الصلاح فيها عدم مصادمة هذه النواميس بل التفاعل الإيجابي معها وفق سنة التسخير ووفق مبدأ الاستخلاف. فالإنسان جاء إلى الأرض وهي صالحة بمائها وهوائها ونباتها وتعاقب الليل والنهار والفصول وبكل كائن حي فيها. وكل اعتداء سافر على شيء من هذه المسخرات هو إفساد فيها، سواء كان تلويثا لمائها وهوائها، أو تدميرا لنباتها وكائناتها... بالحروب أو بالنفايات أو بالتجارب... وبكل بحث عن الربح الفاحش على حساب الطبيعة وجمالها.

فالإنسان في بناء حضارته وعمرانه وفق منهج الصلاح والإصلاح يحتاج إلى استخراج واستكشاف تلك السنن والتفاعل الإيجابي معها، تماما كمل هو محتاج إلى التفاعل الإيجابي مع قوانين وسنن عمرانه واجتماعه في أمنه وغذائه وسائر حاجاته، إذ هي مسخرة له ابتداء. وإلا كان في مصادمته لها هلاكه وخراب عمرانه واجتماعه وحضارته، وأي فساد أعظم من هذا الفساد! فتلك نواميس كونية لا مبدل لها.

من ضمائم الإصلاح في " الإنسان " إصلاح الذرية، " وأصلح لي ذريتي إني تبت إليك " (17). إصلاح الزوج، " وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات.." (18). إصلاح بين الناس، " فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه " (19). إصلاح البال : " كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم " (20) " سيهديهم ويصلح بالهم " (21)..

وكما ينسب الصلاح إلى الإنسان ينسب إلى الأعمال، وقد سمى الله من عباده : "الصالحين، الصالحون، صالحين، مصلحون، مصلحين، صالحا، المصلح..." كل ذلك في النفس والذات ومع الغير والآخر، ولا نطول بسرد الآيات الواردة في ذلك. وسمى أيضا من الأعمال : " عملا صالحا " " العمل الصالح " " الصالحات " كما في قوله تعالى " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " (22)، " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا " (23)، " فمن يعمل من الصالحات وهو مومن فلا كفران لسعيه " (24). " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم " (25). وفي الحديث عن أبي هريرة (ض) "... وإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته " (26).

أما قرن الإيمان بالعمل الصالح، فذلك ما غلب على جل الآيات الواردة بشأن الصلاح والإصلاح، فحوالي سبعون آية فيها : " الذين آمنوا وعملوا الصالحات "، وكلها صريحة في أنه لا إيمان بدون عمل صالح، ولا عمل صالحا بدون إيمان. فالأول ضرب من الإرجاء والتعطيل والانسحاب، والثاني جبرية ودهرية. إنما جعل القرآن الإيمان مقدمة للعمل، ليكون هذا العمل صالحا. فالإيمان ومعه ما تقدم من بر وتقوى وعفو... روافد لتكوين الإنسان الصالح في نفسه المصلح في مجتمعه، كما أن قرن الصلاح في القرآن مرة بأسس علمية معرفية أو نظرية اعتقادية، ومرة بأسس عملية سلوكية أو التزام أخلاقي، فيه تصريح قوى، غليظ ومشدد، بأنه لا انفصال بين العلم والعمل، أو بين المعرفة والسلوك، أو بين الاعتقاد والالتزام الأخلاقي.

وإنما تطرق جزء كبير من الفساد إلى الأمة، وعلى المستويين معا، لما تنكبت طائفة من أبنائها سبيل الجمع القرآني في بنائه وتأسيسه لمفهوم الصلاح بين العلم والعمل. فجعلت من العلم شيئا ومن العمل آخر، من المعرفة شيئا ومن السلوك آخر، من الاعتقاد والإيمان شيئا ومن الالتزام شيئا آخر... وفشا ذلك في الأمة وشاع وأمسى أصلا وقاعدة بكثرة الاستعمال والتداول، وصار المعنى القرآني استثناء وشاهدا تبريريا لدى كثير من مكونات الأمة الفكرية والسياسية على حد سواء إلى وقتنا الراهن.

ثم إن من آيات الإصلاح ما ورد بصيغة الأمر " إنما المومنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم " (27)، " وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما " (28). ومنها ما ورد بصيغة الندب والترغيب "، " إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم آجرهم عند ربهم " (29). كما أنه من سنن الله تعالى أن ينزل عقابه بالأمم التي يعمها الفساد والإفساد، وأن يرفعه عن الأمم التي يعمها الصلاح والإصلاح، " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون " (30).

ثم إذا أمعنا النظر في السنة النبوية، بل في السيرة النبوية، نجدها نموذجا كاملا وتجربة حية في الإصلاح والتغيير. ففي كتاب " الصلح " في البخاري مثلا، نطلع على أبواب وأحاديث تضم معاني الصلح المتعددة : في النفس الواحدة، وبين الفردين وفي الجماعة المؤمنة، وبين المؤمنين وغيرهم من المشركين واليهود... قال الحافظ بن حجر : " والصلح أقسام : صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين الزوجين، والصلح بين الفئة الباغية العادلة، والصلح بين المتقاضيين ، والصلح في الجراح.. والصلح لقطع الخصومة... " الخ (31)، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحسن بن علي : " إن ابني هذا السيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين " (32).

وكما للإصلاح علاقات ائتلاف وتكامل مع مفاهيم قرآنية أخرى، فله كذلك علاقات اختلاف مع بعضها الآخر. وقد تقدم أن الصلاح نقيض الفساد، كما أن المصلح نقيض المفسد.

والقرآن في سياق عجيب يلفت النظر إلى ظاهرة اجتماعية نفسية خطيرة تتعلق بالذين يزعمون أنهم يصلحون ويحسنون صنعا وهم ليسوا إلا مفسدين، كما يدل على ذلك قوله تعالى " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون " (33). فجعل القرآن الفساد – عند قوم – معنى من معاني الصلاح للكشف عن نفاقهم وعن طويتهم الخبيثة. الذين " إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإن خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ". وهذا المعنى متردد في القرآن بكثرة وبصيغ مختلفة، وله تجسد واقعي في تاريخ الأمة وفي الأمم السابقة كذلك.

فقد ورد مقترنا بلفظي السوء والسيئة، كما في قوله تعالى : " وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله " (34). وقوله " ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم " (35) وقوله " كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم " (36). ودلالات الآيات واضحة في ضرورة دفع السيئ بالصالح وجعل الثاني مهيمنا على الأول. فالحسنات عمل صالح يجب ما كان قبله من عمل سيء.

" واتبع السيئة الحسنة تمحها " ، " إن الحسنات يذهبن السيئات "،

ورد الصلاح أيضا مقترنا بالشقاق : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " (37). ومقترنا كذلك بالاقتتال : " وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما " (38).

وهكذا كلما تتبعنا خيوط هذه الشبكة العلائقية لمفهوم الصلاح في أصول الشرع إلا ووجدنا لها امتدادات وارتباطات تؤكد أهمية ومركزية هذا المفهوم في الإسلام.

الإصلاح في التداول التاريخي والحديث :

لم يكن للفظ الإصلاح حضور قوي في التداول التاريخي القديم الذي غلبت عليه حركة الجمود والسكون وخاصة بعد ترسيم التقليد واستقراره فقهيا وفكريا وعقديا، ولنقل حضاريا. وما قام به أمثال الشافعي والأشعري والجويني والغزالي وابن تيمية وابن القيم والشاطبي وابن خلدون والشوكاني... وغيرهم في واجهات وجبهات مختلفة من تصحيح وإصلاح، مستبطن إلى حد بعيد للدلالات الشرعية للفظ، فهو إصلاح بوصفنا الحديث والمعاصر له. وإن لم تفرد له كتابات نظرية كثيرة في أزمانهم، فقد كان عملا وممارسة وأحدث بتراكمه رصيدا إصلاحيا ما تزال تنهل منه حركات الإصلاح المختلفة إلى اليوم، وتجد فيه من التجديد والاجتهاد ما لا تجده في أزمانها وأوقاتها. لكن لم يكن محيط التقليد والجمود العام يفسح المجال لامتداد هذه الحركات بما يؤسس للمعنى الإيجابي للإصلاح حيث يقترن العلم بالعمل وحيث التوسط والاعتدال في الفكر والسلوك .

فقد غدا الزهد والتقشف وقهر الذات عند بعض غلاة الصوفية عنوانا على الصلاح، كما كان لزوم ظواهر النصوص والوقوف عند حروفها وحدودها وأشكالها ورسومها عند بعض غلاة الظاهر والأثر عنوانا على الصلاح كذلك، وكان الغلو في حب آل البيت مع ما يصاحب ذلك من شق وندب وألم عنوانا على الصلاح عند غلاة الشيعة... وهكذا. يضاف إلى هذا من يجعل من الأخلاق التعبدية الفردية عنوانا للتدين بأكمله. وهذه كلها أمور لا ترقى إلى شمول الإصلاح كمفهوم قرآني في شبكة علاقاته العلمية والعملية المحددة لاعتقاد وسلوك الإنسان تجاه نفسه واتجاه غيره. بل ولفلسفة وجوده وعلاقته بالخالق والكون والحياة، شهادة وتعميرا واستخلافا.

إذا انتقلنا إلى تتبع التداول الحديث للفظ ومفهوم الإصلاح، نجد أنه لم يشكل عنوانا لمدرسة إلا في العصور الحديثة والمتأخرة، عندما تأطرت كثير من الاتجاهات الفكرية والدينية على امتداد الساحة العربية والإسلامية في إطارات " دعوية " و" ساسية " ذات مرجعيات مختلفة، ولو أردنا أن نلتمس جذرا أو مرجعا إصلاحيا – بهذا المعنى – في العصر الحديث، لوجدنا أن الحركة " السلفية الإصلاحية الحديثة " بقيادة الأفغاني وعبده ورضا ومن دار في فلكها. كان لها دور مهم في إعادة المفهوم إلى الواجهة وقل مثل ذلك في الغرب الإسلامي مع رواد كثيرين كالكواكبي والإبراهيمي وابن باديس وابن نبي والعربي العلوي والحجوي الفاسي وعلال الفاسي وغيرهم..

الإصلاح إذن في عرف هذه الحركات المتقدم منها والمتأخر، كان يقترب كثيرا من المعنى الشرعي. باعتباره، كان في جوهره، عملية إرجاع إلى الشرع وتجديد منه وفيه بعد عموم واستشراء الفساد الفكري والانحراف العقدي وطروء البدع والضلالات والآفات المختلفة في كيان الأمة. الأمر الذي جرد مفهوم الإصلاح القرآني عن أصوله العملية وعن مواكبة التحولات الاجتماعية والعلمية والفكرية والسياسية، مواكبة تأطيرية مستوعبة عقديا وفقهيا.

إن الملفت للنظر حقا أمام غياب هذه المواكبة في التأطير، أن نجد كثيرا من المفاهيم والدلالات الأجنبية تتسرب ليس فقط لتستقر على الأرض الحضارية للذات فتتفاعل إيجابا أو سلبا مع غيرها، بل لتشكل أطرا مرجعية تتحدد من خلالها مفاهيم ودلالات المصطلحات الأصلية نفسها. وإن إلقاء نظرة ولو عجلي على سياق التداول العام، الذي تولت كبره، طوائف ونخب نافرة نحو الغرب، أو غير مستوعبة للمضامين الشرعية ودلالاتها، بخصوص مفاهيم مثل : الإحياء والبعث والنهضة والتطور والتقدم والتحديث... ولم لا الآن التجديد والاجتهاد والإصلاح والتغيير... فالكل معني ، هذا صحيح، لكن شتان بين إصلاح متحقق بشروطه الذاتية والموضوعية ، أي بهوية الأمة والخصوصيات الوطنية، وقبل ذلك بشروطه العلمية والعملية. وبين إصلاح ليس له من الأمر إلا تسور المحراب أو القفز على البحث المضني والمجاهدة النفسية أو التشبث بدعاوى غيرية من غير فقه ولا استبصار.

فليس الإصلاح تنكرا للقديم وقطيعة معه وهجرة إلى النماذج الجاهزة عند الغرب، ولا هو كذلك انكفاء على الذات واكتفاء بما لديها دون القدرة على الإفادة من الخبرات البشرية ومنجزات العقل الإنساني. إنه المعادلة البنائية الصعبة في شمولها استيعابها وتكاملها، كما تقدم معنا في نصوص الآيات والأحاديث، التي تجعل الذات قادرة من موقعها كذات على البذل والتفاعل والعطاء انطلاقا من دائرة النفس الصغرى إلى دائرة الكون الكبرى.

الهوامـــــش :

1- الغزالي : " إحياء علوم الدين "، ج 1 ، ص 32-33.(دار المعرفة بيروت)
2- ابن حزم : " الإحكام في أصول الأحكام " ، ج 1، ص 35 وما بعدها.(دار الفكر)
3- انظر على سبيل المثال: ابن فارس: الصاحبي في فقه اللغة. وابن جني : الخصائص. والسيوطي: المزهر. وابن عبد السلام: قواعد الأحكام. الشاطبي: الموافقات. القرافي: الفروق. الزركشي: البحر المحيط. ابن تيمية وابن القيم في مواضع كثيرة من كتاباتهما الأصولية خصوصا.
4- ابن منظور : " لسان العرب "، الزبيدي : "تاج العروس "، ابن فارس : " معجم مقاييس اللغة "، الأصفهاني : " معجم المفردات.." (مادة ص ل ح).
5- أبو البقاء الكفوي : " الكليات... " ، ص 561.
6- انظر المعاجم السابقة، وانظر كذلك، الزمخشري في " أساس البلاغة ".
7- أنظر أطروحة جامعية لنيل الدكتوراه لكلية الآداب فاس (ظهر المهراز)، بحث تحت عنوان " مفهوم الصلاح والإصلاح في القرآن والحديث " نوقش مؤخرا بالكلية حاول صاحبه استقراء مواطن ورود اللفظ وصيغه ومشتقاته والدلالات والشبكة العلائقية لهذا المفهوم مع غيره من المفاهيم إئتلافا وتكاملا واختلاف وتغايرا.
8- البقرة ، 218.
9- الأعراف، 84-85.
10- النمل ، 50.
11- الأنعام ، 54.
12- النساء ، 145.
13- الأنعام ، 49.
14- الشورى ، 37.
15- البقرة ، 222.
16- الأعراف ، 33.
17- الأحقاف ، 15.
18- الأنبياء ، 89.
19- البقرة ، 182.
20- محمد ، 2.
21- محمد ، 5.
22- فاطر ، 10.
23- الكهف ، 2.
24- الأنبياء ،.94.
25- الأحزاب ، 71.
26- البخاري، مع فتح الباري، كتاب المظالم، باب من كانت له مظلمة عند الرجل، ج 5 ، ص 101.(دار الفكر)
27- الحجرات ، 10.
28- الحجرات ، 9.
29- البقرة ، 61.
30- هود ، 117.
31- البخاري – مع الفتح – كتاب الصلح، باب ما جاء في الإصلاح بين الناس، ج5 ، ص 297-298.
32- نفسه، كتب الفتن، ج 13 ، ص 61، وترجم للباب بالحديث المذكور.
33- البقرة ، 218.
34- الشورى ، 40.
35
- النحل ، 119. 36- الأنعام ، 54.
37- النساء ، 35.
38- الحجرات ، 9.






2018-2000 © جميع الحقوق محفوظة