مواقعنا الاجتماعية
العلامة سيدي أحمد بن خالد الناصري السلاوي (1315هـ/1879م)

الفقيه سيدي محمد بن بناصر حركات السلاوي (1316هـ/1898م)

شيخ الجماعة أحمد بن عبد النبي السلاوي (1298-1392هـ)

العلامة القاضي سيدي عبد الله بن محمد الهاشمي ابن خضراء (1324هـ/1906م)

العلامة سيدي أحمد بن موسى السلاوي (1328هـ/1910م)


دور التربية الصوفية في زمن العولمة؟ مقاربة أولية

د. محمد التهامي الحراق

مناط القول في هذا المقال موضوع ذو أهمية آنية قصوى، وقيمة علمية بادية الضرورة والإلحاح في زمننا المعاصر، ويتعلق الأمر بالسؤال/ الإشكال: "أي دور للتربية الصوفية في زمن العولمة؟".

إن هذا السؤال تستوجبه وتقتضيه في مرحلتنا الراهنة عوامل عدة وأسباب شتى أجدرها بالإشارة العناية الخاصة التي كان بدأ التصوف يحظى بها في نهاية القرن الماضي؛ وتوطدت وزادت بشكل جلي في السنوات الأولى من الألفية الثالثة. هذه العناية التي برزت في عدة مظاهر علمية وإعلامية وثقافية تشهد عليها الكتب الصوفية الغزيرة التي عرفت طريقها للطبع والنشر بعد أن كانت متناساة ومهملة من معاجم صوفية أو شروح إشارية أو أحزاب وصلوات أو كتب تراجم أو دواوين شعرية عرفانية.. إلخ. بل بدا حضور هذه النصوص بارزا وجليا على المستوى الأكاديمي والجامعي، لما نالته من اعتراف واهتمام علمي تحقيقا وإخراجا ودراسة وتحليلا، هذا فضلا عن أثرها وصداها الذي بات واضحا في الأدب العربي المعاصر؛ إن في الشعر أو القصة أو المسرح أو الرواية. وهو ما نجم عنه حضور إعلامي ملحوظ للتصوف في المجلات والجرائد والمنشورات والفضائيات والقنوات؛

علاوة على تكاثر اللقاءات والندوات ومهرجانات السماع أو الموسيقى الصوفية؛ وإفراد تخصصات دراسية عليا للخطاب الصوفي؛ وكذا بروز جمعيات ومؤسسات تحمل على عاتقها إخراج تراث هذا العارف أو ذاك وإعادة قراءة هذا الموروث الروحي.. إلخ. وما يثير الانتباه إلى هذا الحضور الصوفي الملحوظ هو الخمول والإهمال والإنكار الذي كان يعامل به الخطاب الصوفي وأعلامه وزواياه إلى وقت قريب، والحصار العلمي والإعلامي الذي كان يطوقه تحت ذرائع دينية أو إيديولوجية؛ وحتى إذا ما ذكر فغالبا على سبيل الانتقاص والحط والتغليط، لا على سبيل القراءة التاريخية الموضوعية أو الإنصات الداخلي لهذا الخطاب وفق لغته وسياقه ومكوناته وأنساقه ومقاصده ووظائفه وشروطه الخاصة.

إن هذا التحول الهام والمرصودة بعض علاماته آنفا يفرض تعليله والبحث في أسبابه ومسبباته، وهذا المدخل الأساس للإجابة عن السؤال موضوع هذه المداخلة.

1- في الحاجة المعاصرة إلى التصوف

ثمة تحولات كبرى مست السياقات المعرفية والسياسية والحضارية كان لها الأثر الكبير في إعادة الالتفات إلى التصوف والعناية بالخطاب الصوفي؛ هذا مع تأجيل النظر في موجهات هذه العناية وتقييم خلفيات كل قراءة من القراءات التي تصدر عنها.

1-1- السياق المعرفي:

لعل من أبرز ما يميز السياق المعرفي المعاصر هو انتقال الخطاب في الأوساط العلمية والأكاديمية والفلسفية في الغرب تحديدا -وتأثرت ذلك ثقافتنا العربية الإسلامية المعاصرة بشكل واضح- من الحديث عن مفهوم ومرحلة "الحداثة" إلى مفهوم ومرحلة "ما بعد الحداثة". ويشيرون بهذه الأخيرة إلى لحظة معرفية مستجدة تتأسس على مراجعة نقدية لمفاهيم الحداثة رؤيتها للعالم والحقيقة والزمان والفرد والمعنى. وما يهمنا في مسار موضوعنا، أن من هذه المراجعة النقدية جعلت فكر ما بعد الحداثة يتشيد على عقلانية متفتحة تعترف بأبعاد الروح والمعنى والمقدس والخيال، وهي الأبعاد التي كانت تلغيها العقلانية الوضعية العلموية، ذات الطابع المادي والحسي المباشر والتي ميزت فكر الحداثة. وهذا التحول المعرفي الكبير جعل الباحثين المعاصرين يكتشفون من جديد ثراء الخطاب الصوفي ويقاربون برؤية جديدة مفاهيمه وأسئلته. ولعل هذه الإضاءة تفسر وجها من أوجه الإقبال الخاص والكثيف على الإفادة من الموروث الصوفي من لدن الأدباء والباحثين المعاصرين، بل ويرفع الاستغراب الذي قد يستولي على من يطالع عنوان إحدى الندوات الأخيرة بكلية الآداب بالرباط، والتي عقدت تحت عنوان "ابن عربي في أفق ما بعد الحداثة".

1-2- السياق الإيديولوجي

إن انهيار المنظومة الإيديولوجية الاشتراكية وما أفرزه من بروز نظام عالمي جديد أحادي القطب بمنازعه الاستغلالية والهيمنية ذات الأوجه الاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية؛ وصعود ردود فعل قوية وعنيفة ضد هذه المنازع اتخذت مظاهر دينية لاحتجاج اجتماعي واقتصادي وسياسي، جعل صورة الإسلام تلتبس في أذهان وأعين الكثيرين وقرنها لديهم بالعنف والسيف والدماء، تغذي هذه الصورة الكثير من وسائل الإعلام الغربية عن قصد أو سوء فهم، وتسندها أطروحة صمويل هانتجتون، التي صارت بذكرها الألسن والأقلام حول "صدام الحضارات"، والتي ادعى فيها أن الصراع سيتخذ -بعد مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي؛ وبعد فشل الماركسية كنظرية وانهيار الكتلة الشيوعية- صورة صراع ديني حضاري، طرفاه الرئيسان: الحضارة الغربية في مواجهة الحضارة الإسلامية والكونفوشية (نسبة إلى كونفوشيوس الفيلسوف والحكيم الصيني الذي عاش في القرن 4 قبل الميلاد وهي فلسفة أخلاقية). هذا السياق دفع العديد من المفكرين في الضفتين الغربية والإسلامية إلى البحث عما يمكن أن يشكل أرضية ثقافية للحوار بين الحضارتين الغربية والإسلامية بدل الصدام والصراع. وقد وجدوا في التراث الصوفي الإسلامي وفي سلوك وأخلاق كثير من العارفين معينا خصبا لصورة جمالية متسامحة عن الإسلام، ترجح الحوار والتفاعل والقبول بالآخر، بدل الصراع والصدام المحتومين اللذين آلت إليهما وغذتهما كثير من الأحداث منذ الحادي عشر من سبتمبر وما تزال. وهذا ما يفسر عناية أدبائنا ومفكرينا المعاصرين بالتصوف ويعلل أيضا الحضور الإيجابي المتميز للعديد من الرموز الصوفية الإسلامية الكبرى في الأوساط الغربية (في صدارتهم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي).

1-3- السياق الحضاري:

من المعلوم أن الحضارة الغربية الحديثة ركزت اهتمامها على الفرد المواطن، واعتنت بتطوير أبعاده القانونية والسياسية من خلال تسطير حقوقه المدنية والاجتماعية؛ وترسيخ قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان وبناء المجتمع المدني وتقوية مناحي الحياة المادية والاقتصادية، لكنها أهملت المستويات المعنوية والروحية والأخلاقية في الإنسان، والتي اعتنت بها الأديان والفلسفات الروحية الكبرى. من هنا تأتي العناية بالتصوف، أولا لقابليته في نظر البعض، لقراءة "علمانية" تبتعد عن كل توظيف للدين في الدنيا والسياسة والتدبير التاريخي للسلطة واليومي، ثم لقوته الروحية واهتمامه بالأبعاد الباطنية والجوانية للإنسان.

إن التصوف هنا يمثل الوجه الروحاني الذي تآخت فيه الأبعاد الدينية والجمالية، فهو فكر ديني ذوقي يعمق علاقة الإنسان بربه المطلق والمتعالي بناء على صلة المحبة؛ مع اعتناء خاص بهذه العلاقة في جوانبها الجمالية كما تبدت آثارها وأصداؤها وظلالها في الشعر والحكاية والموسيقى (السماع).. ومختلف الكتابات والسلوكات والطقوس التي عبر الإنسان من خلالها عن تلك العلاقة، والتي نستحضرها اليوم لاستلهام قيمها ومثلها المتعالية من أجل تشكيل مناعة روحية ضد المادية الجارفة التي تهددنا بها الحضارة الغربية من خلال العولمة؛ هذه المادية التي من علاماتها تسييد الصيرورة وتقديس النسبية وبناء القيم على أسس وضعية لا مركز ولا نقطة ثبات لها، علامات تجعل هذه الحضارة مبنية على أسس دائمة التحول والتغير، خصوصا وأن المجتمعات الغربية، بوجه عام، قد انفصلت في حياتها العامة عن أي سند قدسي يمثل ضمانة معنوية ومتعالية للإنسان كقيمة عليا، بحيث إن التاريخ أثبت أن النزعة الإنسية التي أحلت وبوأت الإنسان في مركز الكون ...... بها الانحرافات التاريخية وزاغت بها عن فكر "الأنوار" كما تشهد على ذلك الإمبريالية والحروب الاستعمارية، والهيمنة العولمية، ويدل على ذلك فصل الأبحاث العلمية والكشوفات المعرفية عن أي وازع أخلاقي، مما جعل العالم يفقد بوصلته الدينية والإنسية على حد سواء نشير هنا مثلا إلى أبحاث التخصيب الاصطناعي والاستنساخ والهندسة الوراثية...)؛ من هنا ضرورة البحث في حضارتنا المعاصرة عن ملاذ يعيد التوازن المعنوي ويحقق "الأمن الروحي" للإنسان في هذا العالم. وفي هذا الإطار ينبجس الدور الكبير والاسثنائي الذي يمكن أن تضطلع به الحضارة الإسلامية بفضل تراثها الروحي والصوفي الزاخر بأدبياته وأعلامه وتجاربه وامتداداته.

إن هذا البسط الوجيز لبعض علامات السياقات المعرفية والإيديولوجية والحضارية يعلل لنا سر العناية الخاصة التي أصبح يحظى بها التصوف في لحظتنا المعاصرة، وهو بسط نستشف من بين ثناياه الاحتياجات المعاصرة المختلفة التي أملت التوجه إلى الخطاب الصوفي. فالتوجه للتصوف عند البعض غايته "مواجهة التطرف الإسلامي" في الداخل؛ وغيره يريد أن يستعمله لترسيخ قراءة تقصي المستوى الجهادي في التصوف وتركز على مناحي التدين والروحانيات فيه بعيدا عن أي تدبير أو اختيار سياسي تاركة هذه الانشغالات والوظائف للدولة والمجتمع الحديثين، وتوجه ثالث يتخذ من التصوف سندا لمرجعيته الرامية إلى مد جسور التحاور الحضاري من خلال الإسهام في حل مشاكل التدين والمعنى والأخلاق والعلاقة مع الآخر الخارجي (الغرب).

إن مختلف هذه التوجهات، مفردة أو مجتمعة، تتأسس على التأويل؛ تأويل التصوف كتاريخ ونصوص، وقراءته وفق الأسئلة والاحتياجات الراهنة. وهنا يلزم الالتفات إلى ما يمكن أن ينتاب هذا التأويل من انتقائية وابتسارية تستحضر جوانب وتتناسى أخرى؛ تبرز نصوصا وتتأولها على غير شرائطها ومقتضياتها، مما يوقعنا في توظيفات إيديولوجية متباينة للتصوف ولمادته التاريخية والمعرفية وقيمه الأخلاقية والجمالية، مما يؤجح الصراع في حلبة الثقافة الإسلامية بين قراءات متضاربة بتضارب احتياجاتها ومنافعها ومصالحها الآنية.

القراءة التي ندعو إليها تنبذ كل إجابة ظرفية عن أي سؤال سياسي آني داخلي أو خارجي قد يتحول ويصير فيقتضي بعد حين تقيص ما اتخذه جوابا بالأمس.

القراءة التي نطالب بها ونتبناها هي تلك التي تنظر إلى التصوف كثروة أخلاقية وروحية متنوعة المكونات ومتعددة المجالي وثرية المسارات، وذلك لتستلهم منه القيم والمبادئ والأفكار والمثل التي يمكن اعتمادها أساسا للتحاور والتعايش والتآخي والتسامح سواء بين المكونات الداخلية للثقافة الإسلامية، ثم بينها وغيرها من الثقافات؛ دون أي تطويع قسري للنصوص أو اعتساف في الفهم والتأويل لتقويل الماضي نصوصا ورجالات ما لا يقوله، أو الإجابة عن حاجة عابرة لا تتفق وعمق وكونية القيم المعرفية والأخلاقية والجمالية التي يكاد يجمع عليها أهل المعرفة الصوفية وأربابها في مختلف توجهاتهم وبتعدد تجاربهم وأذواقهم التي لا تناقض في شيء جوهر الشريعة وثوابت الدين الإسلامي والمبادئ الكونية الكبرى التي تشكل المقاصد البعيدة للأديان، وكذا الفلسفات ذات العمق الإنساني.

في ضوء هذه التوضيحات سنقترب، بشكل أولي، من الدور الذي يمكن أن تضطلع به التربية الصوفية في زمن العولمة.

2- زمن العولمة: توصيف العلامات والتقاط للآفات

2-1- العالمية والعولمة:

يميز البعض بين العالمية والعولمة، فيرادف بين العالمية والرغبة في الانفتاح والارتفاع بالخصوصية إلى مستوى الكونية بحيث تحضر العالمية كأفق من آفاق الحلم البشري بالانفتاح والخروج من الحدود الضيقة إلى فساحة العالم ورحابته، فيما العولمة هي إرادة هيمنة وسلطة إخضاع تسعى إلى تنميط العالم وعولمته في نموذج واحد أوحد، مما يجعلها مرادفة في العرف الكثيرين لـ"الأمركة". العالمية في هذا التمييز أفق إيجابي للتفاعل والتثافق والتلاقح والانفتاح، بينما العولمة هي إرادة هيمنة ونزوع نحو الاستتباع والاستذيال «إنها، كما يصفها عبد الهادي بوطالب، نظام متكامل لا يترك الفاعل فيه للمفعول به المراد صياغته على نمط الفاعل، أي خيار»[1].

بينما يذهب آخرون إلى استبعاد هذا التميز واستصعابه، لأن كلا من العالمية والعولمة هما قدر العالم في مفهومه المعاصر؛ العالم وقد أصبح، ولأول مرة، "قرية صغيرة" بفعل "الانقلاب الأنطولوجي" الذي لحق الوجود بعد أن اكتسحته التقنية. العالمية، من هذا المنظور ليست نزعة قديمة مثلما يرى البعض[2]؛ والعولمة كذلك ليست ظاهرة مسبوقة في التاريخ مثلما يعبر آخرون[3]. إنهما معا مظهران للكونية بوصفها عصرا من عصور العالم[4]. من هنا، وحسب هذا المنظور، يصعب علينا «أن نميز بين عالمية تعشقنا وأخرى نعشقها، ما دمنا معشوقين في الحالتين كليهما، كما يتعذر علينا أن نميز بين خصوصية تحن إلى العالمية، وبين أخرى تهابها وتكون ضحيتها»[5]. العالمية والعولمة يتخذان مدلولا معاصرا أفرزته تحولات العالم وصيرورته وتغير مفهومه. وأبرز مظاهر هذه التحولات والصيرورة، سيادة التقنية، فلا تمايز بين المفهومين حسب هؤلاء. على أن ما نفيده من هذا النقاش هو أن العولمة ظاهرة برزت حديثا مع تطور التقنية والرأسمال، فهذا التحالف بين الثورات التكنولوجية والإعلامية والمعلوماتية وبين التطور الاقتصادي والرأسمالي الصارخ الذي أفرز قوى اقتصادية جبارية كونية متمثلة في الشركات العملاقة والشركات عابرة القارات، جعل العولمة تتحول إلى ظاهرة كونية تنظر إلى العالم فقط «كسوق كونية كبرى بمستهلكين فعليين أو اقتراضيين، إن العالم في هذا التصور فضاء تجاري لإنتاج وتسويق السلع المختلفة المادية منها والرمزية والروحية»[6]. العالم في تصور العوملة، تقطنه كائنات استهلاكية بالدرجة الأولى، مما يجعله فضاء لخلق وإشباع الرغبات اللانهائية ضمن منطق السوق وقانونه، وفي غياب أية حدود أو جمارك؛ بل في "حرية اقتصادية" يتم خلالها تداول كل البضائع والسلع، من البضاعة المادية إلى الإعلامية إلى المعلوماتية إلى الروحية والرمزية[7]. وهذا المسار الذي اتخذته العولمة وسمها بعدة سلبيات وآفات نشير منها إلى أربع: الاستهلاكية؛ تسييد الربح؛ وهم الحرية؛ الاستلاب الروحي.

2-2- آفة الاستهلاكية:

إن مدار العولمة هو تسليع وتبضيع كل شيء والتعامل مع الإنسان ككائن مستهلك، يجب إثارة رغباته في الاستهلاك من أجل تلبيتها؛ مع إبقاء هذه الرغبة متقدة بشكل دائم من أجل استدامة دورة استهلاك. إن العولمة بهذا الاعتبار هي نظام جديد للهيمنة يتأسس على رؤية اقتصادية ترى الهدف من الوجود هو الاستهلاك وإشباع اللذة، ومن ثم تتحول المجتمعات في هذه الرؤية إلى أسواق عالمية النفوذ فيها للشركات متعددة الجنسيات عابرة القارات والرساميل العالمية المتنافسة من أجل الهيمنة. إن هذه الاستهلاكية استتبعت نتائج وخيمة أبرزها اتساع الهوة بين الأغنياء بمضاعفة ثرواتهم والفقراء بالتفنن في تفقيرهم، كما استتبع ذلك تحكم المؤسسات المالية الكبرى والشركات العملاقة في التوجهات والقرارات السيادية بما يخدم الرأسمالية العالمية. بل إن من أفظع ما نجم من هذه الاستهلاكية هو تغليب قانون السوق على مختلف القيم الأخلاقية والروحية واستبعاد كل الأبعاد الإنسانية والقيمية، ذاك أن الاستهلاكية تعني أول ما تغديه تسييد الربح على كل شيء.

2-3- تسييد الربح:

إن تسييد الربح يعني هنا فتح باب الاتجار في مختلف المجالات والقطاعات، بغض النظر عن حلالها وحراميها، وكذا التنافس الهيمني على الأسواق مع استعمال مختلف أدوات القوة لبسط النفوذ عليها، مما يعني خلق صراعات لا تنتهي وبؤر نزاع دائمة بدوام النفع فيها، مما جعل من الغنى عنصرا بنيويا في نظام "العولمة" ومساره. وهذا ضد كل قيم الإيثار والتسامح والتكافل ورفع الظلم وعدم الإمعان في إذلال وإفقار الفقير، وكذلك ضد قيم التعايش والسلم واحترام إنسانية الإنسان كما يدل على ذلك التسابق المجنون من أجل الربح إن في تجارة السلاح أو المخدرات أو السياحة الجنسية أو إطلاق القنوات الإباحية، واستعمال آليات صناعة اللذة ومختلف أشكال المسير ... إلخ. هذا في ظل عالم يرفع شعارات حقوق الإنسان وحريته وكرامته.

2-4- وهم الحرية:

ثالثة آفات العولمة تتمثل في كونها تعتبر أسمى مظاهر الحرية الفردية هو الاستهلاك وإشباع اللذة[8]، وهذا الوهم من أبرز ما تتوسل به الاسهلاكية العالمية لاستعباد وتبضيع واستغلال الإنسان والتحكم في رغباته ونزواته، بحيث تغزو رقعة الحياة الخاصة وتحولها إلى رقعة عامة من خلال الهاتف المحمول، وصناعة الأحلام والرغبات عبر الإشهار والإعلام المكتوب والمسموع والمرئي ومباغتة الإنسان في تفاصيله الخاصة وإغراقه في الجزئيات من خلال إعلام مهتم بتحولات اللحظة والأخبار العاجلة، بحيث لا تتاح للمرء فسحة للتأمل، أو الخلوة بالذات واستجماع ما يشكل معناها لامتلاك حريتها الخاصة قصد التحرر من رق الأشياء والرغبات. هكذا يُوهَم المرء بأنه يختار بحرية في حين أنه يقع تحت مؤثرات تنمط حياته وتصوغ اختياراته بما يتلاءم ومصالح الاستهلاكية العالمية ونفوذها الاقتصادي ونفعها المادي.

2-5- الاستلاب الروحي:

إلى جانب ما تقوم به الاستهلاكية في إطار العولمة من ابتلاع واسترقاق للإنسان في الوقت الذي توهمه بالحرية، فإن هذه الاستهلاكية توهمه أيضا أنه يعيش في حاضر أزلي يبتلعه بحيث يجعل منه كائنا بلا ذاكرة، يستزيد دوما وينقصه دوما ذاك الآتي، إشباع رغبات لا يكتمل أبدا؛ إنه يجري نحو هدف متوهم، وهو في الحقيقة يجري على طريق بلا نهاية ولا اتجاه، ما يهم الاستهلاكية العالمية هو أن "يجري ويستهلك" مما يحوله إلى إنسان بلا غاية ولا بوصلة ولا حرية. هذا هو الإنسان في ظل شراسة العولمة: "إنسان بلا روح"، هو شبح إنسان. ومهما حاول هذا المنزع الاستهلاكي أن يبتكر ويبتدع من الاستهلاك ما به يشغل وظائف الروحانية الدينية وأخلاقيتها الربانية كأن يحاول تعويض تلك الوظائف بالاستمتاع الجارف بالملذات واستهلاك منتوجات المتع الحسية والنفسية والإقبال النهم على المسرح والسينما والموسيقى والرقص والرياضة والسياحة والتصوير... إلخ. تمنح لذة لحظية لكنها تستنفذ باستهلاكها. فإن ذلك لا يمكن أن تقوم مقام التدين والتنسك ولا أن يضفي معنى روحيا وغائيا على حياة الفرد ويحقق له "الأمن الروحي" الضروري لوجوده.

3- التربية الصوفية وآثارها في دفع آفات العولمة:

يلزم في البدء الإشارة إلى أن العولمة وإن كانت لها سلبيات ثابتة، وآفات أكيدة، فإن لها بعض الحسنات ومن بينها أنه يخرج من تحت لوائها من يناهض ويقاوم آفاتها. هكذا نجد حركة مواطنة عالمية تتشكل من المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية لتلاحق مختلف المؤتمرات الاقتصادية العالمية منددة بالمنحى الاقتصادي الشرس الذي اتخذته الليبرالية، ومطالبة بأنسنة نظام العولمة وتخليقه[9]. كما نجد أن مختلف أشكال مقاومة هذه الآفات تستفيد أيضا من الإمكانات التقنية الهائلة الذي تستفيد منها العولمة من شبكات عنكبوتية وطرق اتصالات ووسائط تقنية وفضائيات... إلخ.

وإذا كانت هذه المظاهر هي مقاومة حركية نضالية لبعض آفات العولمة، فإن التصوف كتربية وأخلاق وتأهيل وذوق، يمكنه أن يتوجه إلى عين الفرد وقلبه ليعيد الاعتبار له ككيان روحي وأخلاقي يحب أن يسخر منه الكون وفق ما أمره خالقه والصالح ما ينفع الناس وبما يحقق الهمة العظمى التي من أجل خلق الإنسان، وهي الاستخلاق في الأرض. فإسهام التربية الصوفية يتمثل في إعادة الاعتبار بتوازن حسه مع معناه إلى مختلف القيم والمبادئ والمثل المتعالية التي تجعل الإنسان كائنا أخلاقيا وحرا قادرا على رجم شهواته ولحيح نزواته ورياضة جدارته ومراقبة الله سبحانه في كل حركاته وسكناته.

وهذا تفصيل ذلك:

1- التربية الصوفية مصدر لإعادة التخليق:

من المعلوم أن التربية لدى القوم أساس من أسس منهجهم في السلوك نحو معرفة الحق سبحانه، فالتربية هي من جهة تطهير من أدرار النفس فطم لها عن حظوظها ولحوظها وسحوبها من الميل نحو الهوى إلى إخلاص القصد لله واستجماع الهمة فيه والتوجه له، وهي من جهة ثانية ترقية في منازل الطريق ومعارجها من الشريعة إلى الطريقة إلى الحقيقة وبأحوالها ومقاماتها، تربية بالمقال والحال، بالكلام والسلوك، بالعلم والذوق، خلالها يكون الشيخ المربي مستأمنا على قلب مريده يرصد علله ويعالج سقامه وينتقل به من درجة إلى أخرى انتقال عارف بأدواء الأفئدة وأدويتها، عليم بعللها ومراهمها. وبهذا الاعتبار تكون التربية رقيا بالقلوب في مراتب الأخلاق.

وغني عن القول أن الأخلاق جوهر التصوف السلوكي، يعرف الشيخ الأكبر في "فتوحاته" التصوف بأنه "التخلق بأخلاق الله تعالى"، وقد ورد في الترقيب في أخلاق الرحمن قوله(ص)«تخلقوا بأخلاق الرحمن»؛ ذلك أن ما يميز الإنسان هو أنه يتصف «بشبه أوصاف الحق، حيث جعل الله فيه قدرة وإرادة وعلما وحياة وسمعا وبصرا وكلاما وجعله نسخة من الوجود بأسره وخليفة عن الله في حكمه يتصرف كيف يشاء باختياره في ظاهر أمره، ولذلك ورد في الحديث أن الله خلق آدم على صورته، وفي رواية على صورة الرحمن، ومعناه خلق آدم وأعطاه من الصفات ما يشبه صفات الرحمن، وهي صفات المعاني وخصه أيضا فجعله خزانة لسائر أسمائه، ففي الآدمي تسعة وتسعون اسما كلها كامنة في سره ثم يظهر على ظاهره ما سبق له في علم الغيب»[10]، لهذا الاعتبار رادف البعض بين التصوف والأخلاق فجعل التصوف أخلاقا كريمة ظهرت في زمان كريم من رجل كريم مع قوم كرام[11]؛ حتى قيل «التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الصفاء»[12]. ثم إن علم التصوف بماهو علم بأحوال القلوب وضع لتصفية هذه القلوب وتهذيبها وتخليتها من الرذائل وتحليتها بالفضائل كيما تتهيأ لمعرفة الحق سبحانه معرفة ذوق وحال ووجدان. ومن أجل هذا المعنى يجعل البعض اصطلاح التصوف محيلا على صفاء الباطن إذ مداره على التصفية والتهذيب، وإلى ذلك أشار بعضهم لما قال:

تخالف الناس في الصوفي فاختلفوا وكلهم قال قولا غيـر معــروف

ولست أمنح هذا الاسم غير فتـى صافى فصوفي حتى سمي الصوفي

ويربط البعض هذا الوصف والاسم بإشارات أخلاقية فيقول «لابد للصوفي أن يتحقق بمعنى حروفه فالصاد صفاؤه والواو وفاؤه والفاء فناؤه والياء يقينه»[13].

فالتصوف إذن أخلاق وتخلق وتخليق، والتربية الصوفية هي سلوك بالمريد في منازل التخلق بأخلاق الرحمن كما سبق معنا، وهو بهذا الاعتبار يعتني بما به يكون الإنسان إنسانا «فالذي يفصل الإنسان عن الحيوان عندنا –كما يقول الدكتور طه عبد الرحمن- ليس هذا العقل، لأن قدرا منه –قليلا أو كثيرا- موجود عند الحيوان هو الآخر، لأنه امتداد للغريزة فيه ولأنه مادي مثلها بما أنه لا يتعدى إدراك المحسوس وما انتزع منه، وإنما الذي يفصله عنه هو "الأخلاقية"، فالحيوان لا يكون أبدا كائنا أخلاقيا»[14].

إن التربية الصوفية، وفي ضوء ما سبق، يمكنها أن تسهم في إعادة ترسيخ وتركيز الأخلاق في المسلم المعاصر كي لا ينجرف مع آفات العولمة والتي يصبح الإنسان ضحيتها يلهث وراء الاستهلاك والربح ضاربا بعرض الحائط ومهملا وراء ظهره مختلف القيم والمثل والأخلاق التي تصون كرامة الإنسان وتصون جوهرة الأخلاقي الذي ينماز عن الحيوان كما رأينا.

وما يسعف التصوف اليوم على لعب هذا الدور والقيام بالمساهمة الفاعلة في تخليق الحياة الفردية والجماعية كونه ظل دوما ذا عمق شعبي في العديد من المجتمعات، وشكل رجاله وأعلامه وشيوخه نماذج أخلاقية تحتذى وتقتدى مما يجعل من استثمار هذا العمق الشعبي وهذه النموذجية في الوعي واللاوعي الجماعي عاملا من العوامل المساعدة على جعل الخطاب الصوفي فعالا ومثمرا في تخليق الحياة الفردية والجماعية[15].

إن التصوف سواء كتربية أو كتراث يشكل الحق ثروة وثروة روحية في الإسلام يمكن يكون استلهامها واستحضار نماذجها والتعريف بأبعادها ومقوماتها ومقاصدها رسالة إنسانية ودعوة كونية للالتفات إلى العمق الروحي والإنساني الذي تعبث به العولمة بتسييدها و"تأليهها" للربح. فالتخليق يجعل الوسائل المادية أدوات في خدمة الإنسان لا لتسليعه وتبضيعه وترسيخ الفوارق والتفاوتات الاقتصادية الصارخة بين الأغنياء والفقراء، مما يثير الأحقاد ويقدح الضغائن ويحول العالم إلى حلبة مهددة بمختلف أنواع الصراع والحروب والتناحر، وهو ما يتعارض مع الهدف الأسمى للإنسان والمتمثل في إعمار الأرض وخلافة الله فيها، بل والتوق إلى الكمال والنزوع نحو القرب الإلهي من خلال التخلق بأخلاقه والتحقق بأسمائه.

2- التحقق بالمعنى الصوفي للحرية:

إذا كان من سلبيات العولمة التي وقفنا عندها أنها توهم الفرد بحريته في الوقت الذي تعمل من خلال آليات الإعلام والإشهار والاستغلال الإعلاني للفضاء العام للمجتمع وغيرها، على توجيه اختياراته وتصنيع أحلامه وإثارة رغباته التي تستفيد من تلبيتها القوى الاقتصادية المتحكمة في سوق الاستهلاك، مما يجعل المرء في حقيقة حاله وواقع أمره أسير رغباته وضحية خيوط الشبكة الاستهلاكية؛ إذا كان الأمر كذلك، فإن التربية الصوفية تؤهل الفرد روحيا وباطنيا ليتحقق بالمعنى الحقيقي للحرية. وليس هذا المعنى غير نهاية التحقق بالعبودية لله تعالى، والتي قوامها «أن لا تملك شيئا ولا يملكك شيء»[16]. وقد عرف الشيخ الأكبر الحرية فقال: «إقامة حقوق العبودية لله تعالى، فهو حر عن ما سوى الله»، وهي آخر مقام العارف حسب سيد الطائفة الإمام الجنيد.

الحرية، بهذا الاعتبار، إذن هي الخروج عن رق الكائنات ورق الأغيار، «وهي على مراتب، حرية العامة عن رق الشهوات، وحرية الخاصة عن رق المرادات لغناء إرادتهم في إرادة الحق، وحرية خاصة الخاصة عن رق الرسوم والآثار لانمحاقهم في تجلي نور الأنوار»[17]، كما يقول الكاشي. هكذا يتبدى أن العبودية الحقة للده الباب الحقيقي للحرية، فقد قال شيخ الأشياخ مولاي العربي الدرقاوي في رسائله: «فمن أراد أن تريه الحرية وجهها فليرها وجه عبوديته، وهو النية الصالحة والمحبة الصادقة والظن الحسن والخلق الكريم والوقوف عند الأمر والنهي من غير تبديل ولا تغيير، فإنها تريه وجهها ولا تستره عنه»[18]، فإذا تحقق المؤمن الصادق بهذا المعنى الإحساني، فإن خاطره لا يبقى متعلقا بما سوى الله تعالى. بل يصبح العبد عبدا حقا للمنعم سبحانه لا عبدا للنعم. والمسلم إذا تحقق بهذه العبودية الحقة صار حرا لا تسترقه الشهوات ولا تستملكه الأغيار، بل أضحى ذا مناعة روحية تؤهله لأن يختار بين الطيب والخبيث، بين الحلال والحرام، كما يصبح قادرا على أن يستعمل الأشياء دون أن تملكه لأنه راض جوارحه وجاهد نفسه، فلم يعد لغير حكم الله عليها سلطان. على أن ذلك لا يعني بالضرورة الزهد في الحياة والانقطاع عن الخلق والانعزال في أقاصي الأرض للتنسك والتعبد؛ بل إن الصوفي حين يعمر قلبه بالله حتى يصير بيته وحماه وحين يتحقق بعبوديته الصرفة، فإن الحق تعالى يمده بأوصاف ربوبته[19]، فيكون جسده في الحانوت وقلبه في الملكوت كما يقول السادة الدرقاويون، شبحه بين الخلق وروحه في حمى الحق، وهذا، عند أرباب الذوق، عين الكمال في الوصل بين الجمع والفرق بين السكر والصحو. وبهذا يستطيع المتحقق بهذه المعاني أن يكون مسلما قويا بربه قادرا على مقاومة نزوعات الشر التي يمكن أن يفضي إليها طلب الربح أو الاستزادة من الاستهلاك أو ما سواهما آفات العولمة؛ بل يمكن أن تمنحه تلك القوة الروحية حافزا لاستعمال مختلف الإمكانات التقنية والقوى المادية لإعادة الاعتبار لإنسانية الإنسان ولأبعاده الأخلاقية والروحية من شأنه أن يغذي الأرواح بالمعاني الدينية والذوقية، ويربأ بها عن الوقوع في الاستلاب الروحي الذي تحرف نحوه آفات العولمة.

3- تعميق المعنى الروحي في حياة الإنسان

إن التربية الصوفية، اليوم، وهي ترقى بسالكها المراتب والمنازل في محبة الحق سبحانه ومعرفته، ترسخ وتعمق الجوهر الغائي من وجود الإنسان في الكون، وهو عبادة الحق سبحانه، قال تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»(الذاريات، الآية 56). هذه العبودية التي كرم بها سبحانه الإنسان وجعلها بابا لحريته، كما رأينا، لذلك كرم وشرف بها الحق سبحانه أشرف خلقه الأنبياء عليهم السلام، فقد قال في سيدنا ومشكاتنا وحبيبنا محمد e «سبحان الذي أسرى بعبده» (الاسراء، الآية 1)، وقال في حق غيره: «واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار» (ص، الآية 44)، وقال في داود عليه السلام «واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب» (ص، الآية 16)، وقال أيضا: « ووهبنا لداود سليمان، نعم العبد، إنه أواب» (سورة ص، الآية 29)، وعن أيوب عليه السلام قال: «إنا وجدناه صابرا، نعم العبد، إنه أواب» (سورة ص، الآية 43)... إلخ. هذه العبودية في معناها التحرري في رق الشهوات والمخالفات والأغيارـ تضفي معنى روحيا ربانيا على وجود المرء بحيث تصبح كل حركاته وسكناته، سلوكاته ومعاملاته، أقواله وأفعاله، كلامه وصمته، تنسكه وعمله، سعيه في طلب الرزق وتنعمه بالطيبات من متع الدنيا، مأكلة ومشربه ومنكحه؛ كل ذلك يصبح وجها من أوجه العبادة والتقرب من الله سبحانه، لأنه أخلص القصد في كل ذلك لله، وصدق النية في تلك الأقوال والأعمال لتكون في خدمة مراده الأسمى وهو الزلفى من مولاه، يقول العارف الكبير، سيدي أبو الحق الششتري:

اترك جميع المـراد ومل إلى الله ميلا

ويقول أيضا:

فاز من خل الشواغل ولمــولاه توجه

فإخلاص المراد والتوجه نحو الحق سبحانه يضفي غائية ربانية على الحياة تجعلها تبعا لبوصلة الشريعة ووفق القيم المعرفية والأخلاقية والجمالية التي تضمن للناس التمتع بالطيبات والنعم دون أن ينحرفوا مع إغراءات النفس ونزواتها التي تعمل الآلة الاستهلاكية على إثارتها ولاستفادة المتوحشة منها. إن هذه الغائية الربانية تصون حياة الفرد والجماعة من الانحرافات الخلقية وتنأى به عن الظلم والاستغلال والعنف، هو ما يؤهل المجتمع ليكون أكثر قابلية للسلم والتعايش والتساكن.

4- من أجل ثقافة المواسعة والمسامحة

إن تركيز التربية الصوفية على تعالي الحقيقة وتعدد طرق تحصيلها، وتغذيتها لقيمته الحرية من حيث هي عبودية حقة لله سبحانه وتحررا من رق الأغيار، واعتبارها الكون مصحفا إلاهيا مفتوحا كل علاماته وحروفه وإشاراته الطبيعية والوجودية إحالة على وحدة الحقيقة الإلهية في جوهرها وماهيتها، مع تغليب الإحسان في كل شيء، إن هذه الآفاق المعنوية والسلوكية التي ترسخها وتركزها التربية الصوفية في طالبها، توفر لنا دعامة قوية في عصرنا لإعادة النظر في كثير من سلوكاتنا التعصبية سواء للأعراق أو الطوائف أو المذهبيات، ويدعونا إلى القبول بالآخر وجودا، بل الاعتقاد في ضرورة وجوده كظهر من مظاهر الرحمة الإلهية التي تجلت في حقائق تتيح للإنسان فسحة الحياة بأشكال وأنماط وألوان متعددة في مجاليها ومرائيها، متوحدة في ينبوعها ومصبها. فتعدد أذواق الصوفية ومواجيدهم وخصوصية تجربة كل عارف منهم وتنوع وثراء ما أسفرت عنها تلك التجارب من معارف ومذاقات، مع نهلها من نفس بحار الحقيقة، كل ذلك يؤكد وسع الفضل الإلهي الذي لا يحجز، وميشهد على رحابة المعرفة الإلهية التي لا حد ولا ساحل. قال تعالى «قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا» (سورة الكهف، الآية 4)، لهذا كان الورد من هذه المعرفة لا يزيد العارفين إلا عطشا. قال أحدهم:

شربت الحب كأسا بعد كأس فما نفد الشراب وما رويت

هذه القيم المتمثلة في لا نهائية المعرفة وتعدد تجلياتها ووسع الفضل والرحمة الإلهيين وتنوع تجليات الحقيقة الأصلية الواحدة فضلا عن قيم المحبة والأخلاق الكريمة والحرية كما يفهمها أهل الله؛ كل ذلك يمكن أن يشكل دعامة روحية وأخلاقية كبيرة للمعايير التي أصبح عالمنا اليوم ينشدها ويصبو إلى ترسيخها بديلا عن الآفات والصراعات التي يزجنا في أتونها الوجه المتوحش للعولمة. أعني معايير وقيم التساكن والمواسعة والتسامح والتعايش والقبول بالآخر والاعتراف بشرعية الاختلاف على أرضية روحية وأخلاقية تسمو بالإنسان على كل اعتبار نفهي قاصر، وتؤهله ليستحق تكريم الحق له بالإيجاد والإمداد ثم إن تركيز التصوف على البعد الروحاني والتربوي والتخليقي للإنسان، دون أي إهمال لأبعاده الأخرى، يجعل خطابه خطابا كونيا يهم بالقيم والمبادئ والأصول، ومن ثم يذهب إلى تعميق المسار الروحي والإنساني للإنسان. صحيح أن الرياضات والمجاهدات والباب شرعية إسلامية ولا حقيقة ولا طريفة من غير بابها، لكن الغايات والمقاصد بقدر ماهي إسلامية فهي كونية؛ لأنها تركز على حيوية الطاقة الروحية الكامنة في الإنسان والتي يلزم تفعيلها واستثمارها لتحقيق تواصل أكبر مع التجارب الإنسانية ذات المقاصد المتعالية والتي تخلق جسورا بين الأنساق المتبانية مظاهرها الفكرية وممارساتها الطقوسية.

إن المرجعية الصوفية واستحضار قيمها يدعم الاجتهاد ضد الانسداد ويفتح أفق الحيوية الروحية الإسلامية بما يعرف بالوجه الجمالي والتواصلي المشرق في الإسلام بديلا عن الرئاسة والانغلاق والصراعية. وهي ضرورات واقعية، واحتياجات راهنة يقتضيها انفتاح العالم اليوم اقتصاديا وإعلاميا واجتماعيا وتشابكاته التي تستلزم عقلا منفتحا وقلبا صادق الإيمان، وروحا مبللة بالسر الإلهي الذي تعرفنا ببعض شوارقه وحقائقه التربية الصوفية.

على سبيل الختم:

إن هذه المداخلة لا تزعم استنفاد كل ممكنات وضرورات السؤال المتخذ عنوانا لها، وإنما هي مقاربة أولية كما هو مثبت في العنوان عينه، الغاية منها رصد بعض آفات العولمة التي تحاصرنا كقدر راهن، وكذا التنبيه على ما تختزنه وتكتنزه التربية الصوفية من عوارف وقيم روحية وأخلاقية وجمالية لأن تكون سندا قويا لمعالجة تلك الآفات والانضمام إلى الرؤى المناهضة لها، فضلا عن دورها في النهوض بالإنسان والسمو به كقيمة روحانية وأخلاقية ما فتئت الحضارة المعاصرة تفقدها أو تسير نحو تبديدها.

[1] - "العالم ليس سلعة"، في نقد العولمة، عبد الهادي بوطالب، منشورات الزمن، الرباط 2001، ص.29.
[2] - نفس المرجع، ص. 23 وما بعدها.
[3] - "حوارات من أجل المستقبل"، طه عبد الرحمن، منشورات الزمن، الرباط 2000.
[4] - "أسس التفكير الفلسفي المعاصر"، عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الدار البيضاء.
[5] - "ميتولوجيا الواقع"، عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، البيضاء 1999، ص.88.
[6] - زمن العولمة، فيما وراء الوهم، محمد سبيلا، دار توبقال، الدار البيضاء، ص. 76.
[7] - نفس المرجع والصفحة.
[8] - الحداثة وما بعد الحداثة، عبد الوهاب المسيري.
[9] - العالم ليس سلعة، ص. 15.
[10] - الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، أحمد بن عجيبة، دار الفكر، مصر، ص. 1/41-42.
[11] - الرسالة القشيرية، عبد الكريم القشيري، تحقيق معروف زريق، عليد عبد الحميد بلطه جي، دار الخير، دمشق 1993، ص. 280.
[12] - نفس المصدر، ص.281.
[13] - نفس المرجع، ص.1/37.
[14] - سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربية، الدار البيضاء 2000، ص.200.
[15] - راجع مختلف كتب التراجم التي تقدم نماذج خلقية حية متفاعلة مع وسطها ومجتمعها كما شأن شخصيات صوفية مثل أن يعزى يلنور وأبي مدين الغوث ومولاي عبد السلام بن مشيش وأبي محمد صاع وغيرهم.
[16] - الرسالة القشيرية، ص. 280.
[17] - راجع: معجم مصطلحات الصوفية، أنور فؤاد خزام، ص.74-75.
[18] - مجموعة رسائل مولاي العربي الدرقاوي الحسني، تحقيق بسام محمود بارود، المجمع الثقافي، أبو ظبي، 1999، ص. 146.
[19] - يقول صاحب الحكم العطائية: «تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه، تحقق بذلك يمدك بعزه، وتحقق بعجزك يمدك بقدرته، وتحقق بضعفك يمدك بحوله وقوته».







2018-2000 © جميع الحقوق محفوظة