مواقعنا الاجتماعية
العلامة سيدي أحمد بن خالد الناصري السلاوي (1315هـ/1879م)

الفقيه سيدي محمد بن بناصر حركات السلاوي (1316هـ/1898م)

شيخ الجماعة أحمد بن عبد النبي السلاوي (1298-1392هـ)

العلامة القاضي سيدي عبد الله بن محمد الهاشمي ابن خضراء (1324هـ/1906م)

العلامة سيدي أحمد بن موسى السلاوي (1328هـ/1910م)


أخلاقيات الحاج وسلوكياته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته آجمعين.
إن الله تبارك وتعالى فرض على عباده المسلمين مجموعة من العبادات، ليربيهم بها للحياة، وليدربهم بها على حب الطاعات، ونبذ المخالفات، وليرقيهم بها إلى أعلى الدرجات، وليزرع في نفوسهم وقلوبهم الخشية من رب المخلوقات، وليستعينوا بذلك على ذكره وشكره وحسن عبادته لينالوا أعلى المقامات، ومن هذه العبادات ما يتكرر يوميا كالصلوات الخمس، لأن من أهدافها تحقيق العبودية لله عز وجل، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتغرس في النفس حب الجماعة والوحدة... ومنها ما يتكرر أسبوعيا كصلاة الجمعة، وهي تذكير وتنبيه للمسلمين على مراجعة أنفسهم وتحسين سلوكاتهم، ومراقبة ربهم في أعمالهم، ومنها ما هو سنوي كصيام رمضان، وهو عبادة روحية تنحو نحو الصلاح والفلاح وحب الخير، ومنها ما هو عبادة العمر كحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وهو خاتم الأركان.
غير أن هذه العبادة لا تؤدى في البيت، ولا في البلد، ولا بين الأهل والأولاد والأصحاب، إنها عبادة مخصوصة تؤدى في أماكن مخصوصة، وفي أزمنة مخصوصة، وفي أجواء روحانية في منأى عما يشغل الحاج من أمور الدنيا، إنها هجرة إلى الله ورسوله، ورحلة يتحقق للحاج فيها وعد الله تبارك وتعالى الوارد في قوله سبحانه :" وأذن في الناس بالحج ياتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة النعام" ( سورة الحج . الآيتان: 25-26) . لذلك وجب على الحاج - ذكراً كان أو أنثى- أن يستغل هذه الفرصة الغالية المباركة من عمره في إعادة التدريب والتربية على الالتزام بالطاعات واجتناب المخالفات، والترقي نفسيا وروحيا نحو مدارج الكمال الإنساني، وعليه في المقابل أن يحرص كل الحرص على ألا يصدر منه ما يمكن أن يعكر عليه صفو تلك النفحات الربانية، وهو يجول بجسده وفكره وروحه في رحاب وأنحاء بيت الله الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، ورفع فيه قيمة الأعمال الصالحة إلى مائة ألف ضعف أو يزيد: " صلاة في بيت الله الحرام تعدل مائة ألف صلاة" (حديث شريف).
إنه إغراء من رب العالمين، ليبادر كل حاج وحاجة إلى الاجتهاد في الأعمال الصالحة، وألا يتقاعس عن أداء الصلوات في وقتها وبين وفود الحجاج في بيت الله الحرام، وأن يجعل هدفه الأسمى من هذه الرحلة المباركة أن يرجع بحج مبرور. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل ثم ماذا؟ قال:"الجهاد في سبيل الله"، قيل ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور". وروى البخاري ومسلم وأصحاب "السنن" ومالك وأحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، لكن الحج المبرور مرتبط ومشروط بشروط يجب أن يراعيها الحاج حين يقبل على أداء هذه الفريضة، منها النفقة الطيبة، والتوبة النصوح، ورد المظالم إلى أهلها، والتصالح مع الناس وتطييب خواطرهم، والإخلاص لله في السر والعلانية، والمحافظة على الطاعات، ومعاملة الناس بالحسنى. روى الإمام مسلم في باب "البر والصلة" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن البر، فقال: "البر حسن الخلق"، ومن أعظم أنواع البر كثرة ذكر الله في الحج؛ لأن كثرة الذكر توقظ همتك، وتجعلك تراقب الله تعالى في كل صغيرة وكبيرة، وهذا يحفزك أن تقدم لإخوانك الحجاج ما استطعت من قوتك ومالك خدمة لهم. و روى الترمذي وابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الحج العج والثج"؛ والعج هو دفع الصوت بالتلبية والذكر، والثج هو إراقة دماء الهدايا والنسك.
ومن بر الحج كذلك أن تكف أذاك عن الناس، مع اجتناب أفعال الإثم كلها من الرفث والفسوق والمعاصي. قال ربنا عز وجل في محكم كتابه: "الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب".
(البقرة. الآية: 196). وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"؛ أي عاريا من الذنوب.
قال المفسرون: "لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج" صيغته نفي وحقيقته نهي. أي لا يرفث، ولا يفسق: لا يقرب النساء وأن يترك المعاصي والجدال والخصام مع الرفقاء - وإن صدر منهم ما يسيء إليه- وهو أبلغ من النص الصريح؛ لأنه يفيد أن هذا الأمر مما لا ينبغي أن يقع أصلا، وإنّ ما كان منكراً مستقبحا في نفسه، ففي أشهر الحج يكون أقبح وأشنع".
ومع هذا، يجب أن يتذكر الحاج دائما أن عدو الله له بالمرصاد، فهو لا يترك الحجاج أن يبلغوا قصدهم، ويفوزوا بالحج المبرور، بل يجتهد في تضييق خواطرهم ونفوسهم والدفع بهم إلى الشح والبخل والمشاحنة والخصام حتى يفسد عليهم أعمالهم، لذلك لا ينسى الحجاج أنهم في جهاد مع النفس والشيطان، وأنهم في تجارة مع الله عز وجل ربحها عظيم، وجزاؤها الجنة، وأنهم في عبادة مستمرة، ينبغي ألا يفسدوها بأي مؤثر مهما كان نوعه.
وليتذكر الحاج أيضا أنه ضيف من ضيوف الرحمان، وعلى الضيف أن يرعى حق مُضيفه، وأن يرعى حق الضيافة وحق الضيوف، وإذا علم الحاج هذا وتذوقه، فلا شك أنه يستعين بالصبر لبلوغ المراد وتحقيق المقصود، وهو الحج المبرور، فاللهم وفق حجاجنا للبر والتقوى، ومن العمل ما ترضى.
أمين. آمين. آمين
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين






2018-2000 © جميع الحقوق محفوظة