مواقعنا الاجتماعية
العلامة سيدي أحمد بن خالد الناصري السلاوي (1315هـ/1879م)

الفقيه سيدي محمد بن بناصر حركات السلاوي (1316هـ/1898م)

شيخ الجماعة أحمد بن عبد النبي السلاوي (1298-1392هـ)

العلامة القاضي سيدي عبد الله بن محمد الهاشمي ابن خضراء (1324هـ/1906م)

العلامة سيدي أحمد بن موسى السلاوي (1328هـ/1910م)


الشرعية الدينية في فلسفة الحكم الملكي بالمغرب

د.رشيد مقتدر: باحث في العلوم السياسية من المغرب

يشكل الإسلام مكونا جوهريا من مكونات الهوية المغربية، ومقوما محوريا من مقومات الشخصية المغربية، فالمحافظة على العلاقة الوطيدة بين الإسلام والمؤسسة الملكية عبر التاريخ، ضرورة لتحصين الهوية الدينية والسياسية للمغرب، ضمن مبدأ وحدة المذهب والعقيدة والسلوك كاختيارات مذهبية يتماهى فيها الديني بالسياسي، التي تعد من أسس وحدة الأمة الدينية والعقائدية ومرتكزاتها، ومن عوامل الاستقرار المذهبي والاجتماعي والسياسي.

i. أهمية المسألة الدينية في نظام الحكم.

تحظى المسألة الدينية بأهمية محورية لدى المؤسسة الملكية لما تخوله لها من سلطة سياسية دينية، فهي تندرج ضمن مجالها الخاص وتشكل مصدرا أساسيا من مصادر شرعيتها، فنالت عناية مباشرة للملك بصفته أميرا المومنين الذي يرسم التوجهات الكبرى للسياسات العامة لتدبير الشأن الديني.

وإدراكا من المؤسسة الملكية لضرورة الشرعية كفلسفة للحكم وتعدد مصادرها السياسية والدينية والتاريخية، فإنها أفردت لها حيزا ذي بال. فإذا كانت الشرعية السياسية هي القَبول الطوعي للمحكومين على طاعة الحكام والامتثال لتعليماتهم والرضوخ لأوامرهم وتنفيذ سياساتهم، مقابل دفاع الحكام عن مواطنيهم والإسهام بالرقي بهم وتحقيق التنمية والعدل والحرية والديمقراطية، فإن المقصود بالشرعية الدينية، الحفاظ على الهوية الدينية المغربية، كاختيار استراتيجي يتماهى فيه الشرعي الديني بالسياسي في شخص أمير المؤمنين، القيم على حفظ الدين وضمان حرية ممارسته وحماية البيضة، باعتباره نتيجة سياسية وقانونية مباشرة لعقد البيعة، عبر الإبقاء على العلاقة بين الإسلام وإمارة المومنين، ضمن وحدة المذهب الملكي والعقيدة الأشعرية والسلوك السني.

إن من خصائص المفهوم السياسي الديني لإمارة المومنين توفيره للمؤسسة الملكية، القدرة على الانتقال من الحقل السياسي إلى الحقل الديني أو الانطلاق من مجال الدين إلى ميدان السياسة، للحسم عند الحاجة في العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية.

وعلى هذا الأساس غدت المؤسسة الملكية والإسلام مصدرين أساسيين داخل البنية المركزية للنص الدستوري، وأهم الثوابت المحورية التي تؤطر الحياة السياسية، والتي تحظى بإجماع النخبة الدينية والسياسية.[2]

1. علاقة إمارة المومنين بالمؤسسات الدينية.

تتموقع المؤسسة الملكية بصفتها الدينية كإمارة المومنين على رأس المؤسسات الدينية والإشراف المباشر عليها، فالملك هو الذي يعين وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ويترأس رئاسة فعلية المجلس العلمي الأعلى، الذي يمثل المؤسسة الشرعية التي يناط بها العمل على التعريف بالدين الإسلامي والسهر على نشر تعاليمه السمحة وقيمه النبيلة، وتأطير الحياة الدينية للمواطنين المغاربة المسلمين، ثم الإشراف العلمي على المجالس العلمية المحلية وفروعها وتوجيهها، بالإضافة إلى الإسهام في تحصين الهوية الدينية والثقافية للمجتمع، بشراكة مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

ويتحدد دور المؤسسات الدينية والهيئات المكلفة بتدبير هذا المـجال والممثلة أساسا في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية والهيئات المتفرعة عنهما وغيرها، التي عينها جلالته في عدة أهداف أساسية كبرى:

أولا تفعيل الرؤى الملكية وسياساتها وإستراتيجيتها عبر البحث عن كيفية بلورة مرامي خطابات الملكية، والتشريعات المنظمة للحقل الديني وتجسيدها في شكل عملي ملموس، بهدف الوصول إلى تكثيف الدور الديني السياسي لإمارة المومنين، في مرحلة فيها احتدم فيها المد الديني الجانح نحو العنف الدموي، وتصاعد فيه التطرف اللاديني الرامي إلى الانسلاخ عن الثوابت الدينية والاجتماعية والثقافية التي تحظى بالإجماع.

ثانيا الاجتهاد في وضع تصورات ومشاريع جديدة للطروحات الكبرى والرؤى الملكية في حدود المعالم التي رسمتها، لصالح وحدة الأمة المغربية بكل مكوناتها وتياراتها وشرائحها، دون أي تحيز أو تموقع مع هذه الفئة أو تلك مهما اختلفت المرجعيات وتنوعت القناعات والمبادئ.[3] ثالثا التدبير العقلاني لهذا القطاع الحساس، من خلال تنفيذ مرن للسياسة الدينية للمؤسسة الملكية للمجال الديني، عبر توفير الوسائل الكفيلة بتفعيلها ومسؤولية التحقق من سلامة تطبيقها، بشكل سليم ومنسجم مع ما هو مسطر في القوانين والأنظمة المنظمة لهذا الحقل، ثم التنبه لكل خلل أو انحراف يمكن أن يعتري هذا الميدان، عبر رصد الظواهر الشاذة أو الممارسات المنحرفة التي قد تمس هذا الحقل على المستوى العام.

وأخيرا تقويم كل اعوجاج أو زيغ في الممارسات التعبدية اليومية بشكل خاص في حالة تعارضه مع الثوابت الدينية والوطنية.

وقبل التطرق إلى الرؤية الملكية للمسألة الدينية من الضروري الإشارة بشكل مقتضب إلى مكانة مؤسسة العلماء قبل هيكلة الحقل الديني.

2. موقع مؤسسة العلماء داخل البنية الاجتماعية والسياسية.

كانت مؤسسة العلماء تمارس مهامها قديما على مستوى بقع جغرافية محدودة في مدن صغيرة أو قرى وبوادي، متوجهة في تبليغ الدعوة والإرشاد إلى الأفراد، فالعالم كان يشتغل في ظل مجتمع صغير جغرافيا ومحدود بشريا، مما سهل عملية التواصل والتفاعل بين المجتمع والعلماء الذين كانوا يستمدون شرعيتهم من خلال جهودهم في تبليغ رسالة الإسلام واحتكاكهم المباشر بالجمهور.

وقد خلف تطور المدن واستبحار العمران وارتفاع حجم الساكنة إلى ضرورة تغيير المنهج المتبع والوسائل المنتهجة، فكان من اللازم وضع مؤسسات تؤطر عمل العلماء وتحتضنه وتساهم في تطويره وتشجيعه، فالتضخم الذي شهده المغرب مجتمعا ودولة أفضى إلى أولوية وضع مؤسسات تمثيلية للعلماء سميت بالمجالس العلمية.

لقد كانت الهيئات العلمية أو محاضن تأطير علماء المغرب تاريخيا، سواء كانت داخل المساجد أو حلقات العلم والذكر أو في الجامعات أو المجالس العلمية.. خاصة بمناطق معينة أو سلطانية، تفتقد إلى إطار قانوني ومرجعي يحدد طريقة عملها ويقنن مسار اشتغالها، ونوعية صلاحياتها وحدودها وطبيعة الأدوار والمهام المنوطة بها...بقدر ما كانت تستلهم فلسفتها من وظيفة العالم وقدره على الاجتهاد والتنزيل، ومكانته داخل الضمير المجتمعي وموقعه الرمزي والديني على صعيد التمثلات العامة للمجتمع، ما عدا بعض الاستثناءات، إذ كانت بين الفينة والأخرى تصدر ظهائر لتعيين بعض العلماء والفقهاء أو لإحداث المجالس العلمية تتضمن الإشارة والتلميح إلى مجال العمل وطبيعة التخصصات المنوطة بالهيئة أو المجلس أو المؤسسة في سياق منطقة معينة دون أن تعمم على مجموع التراب الوطني.

وأدت التطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي شهدها المجتمع المغربي، في ظل عالم أضحى قرية صغيرة يتعذر فيها ضبط الوارد والصادر، إلى الوعي بصعوبة المرحلة والحاجة إلى بلورة مشروع إصلاحي، يمكن من استيعاب مجموع التحولات التي جاءت نتيجة مباشرة أو غير مباشرة للممارسات السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية للعقود السابقة ضمن إطار يتداخل فيه المحلي والوطني بالدولي.

3. مؤسسة العلماء في ظل الدولة الوطنية.

لذا كان من الطبيعي أن تحتل مؤسسة العلماء حيزا ذا بال ضمن إستراتيجية الدولة نظرا لحساسيتها وعلاقتها الوطيدة بمجال السياسة والثقافة والمجتمع، إذ انتقلت الإشكالية الدينية من ميدان المناظرة والنقاش والجدل إلى مرحلة التقنين والمأسسة، أي أنها تدرجت من مجرد مشروع نظري غير محدد الأبعاد، لتتحول فيما بعد إلى رغبة فعلية باحثة ومنقبة عن شكل عملي ملموس تتبلور عبره، ضمن ما سمي في عهد المغفور له الحسن الثاني، بإستراتيجية هيكلة الحقل الديني ومأسسته، عبر الصيغة المعروفة التي اصطلحها الملك الحسن الثاني على العلماء، والتي حددت أدوارهم بوصفهم "حماة للوجود المعنوي للأمة وحراس الشريعة".

لقد تميز التصور الملكي بعد الاستقلال، برسم المعالم الأولى للوضع الجديد لمؤسسة العلماء، فأضحوا في البداية مدبرين للشأن الديني، وفقا لسياقات وملابسات متعددة وسمت تلك المرحلة من بينها:

أولا: صياغة مشروع مجتمعي وطني شامل، يسع مختلف مكونات المجتمع المغربي وشرائحه، بقيمه ومعتقداته وثقافته الوطنية أو ثقافاته الفرعية، بغاية الوصول إلى صياغة رؤية وحدوية تعكس طبيعة الهوية الوطنية المغربية وترسخ وحدتها وجذورها في عمق المجتمع يتسع المجال فيها لمختلف المكونات الثقافية والسياسية باختلافاتها وتنوعاتها.

ثانيا: إن تكوين هوية وطنية تستمد معالمها من عقيدة الأمة وشريعتها غدا دعامة ثقافية لشرعية سياسية جديدة قيد التشكل والتأسيس، تبتغي تحقيق الإقلاع وإخراج البلاد من التخلف والفقر والتبعية، بقيادة الدولة المغربية، أي بناء الوطن وتكثيف روابطه وتقوية تماسكه ضد كل المحاولات الرامية إلى تفتيت وشيجة التعاضد والتماسك.

ثالثا: ضرورة إكمال هياكل الدولة العصرية المستقلة عن المستعمر، وإدماج مختلف المكونات المجتمعية والسياسية والثقافية ضمن مشروعها المجتمعي بما في ذلك مؤسسة العلماء، وهي قضية لا يتسع المجال للتطرق إليها.

رابعا: وضع أسس التأطير القانوني للسياسة العامة في المجال الديني وترسيخ ثقافة مأسسته، بغية التمكن من تفادي الارتجالية والاحتكام إلى ضوابط عقلانية محددة، تترك للفرد حرية الفعل وإمكانية المبادرة، لكن في سياق الصرح المؤسساتي المزمع إكماله.

ii. معالم الرؤية الملكية للشأن الديني بالمغرب

تميزت مرحلة المغفور له الحسن الثاني برسمه للتجربة الأولى لهيكلة الحقل الديني وتنظيمه، وقد حكمتها عدة اعتبارات، منها تنامي الغزو الثقافي الممثل في الإيديولوجية "الخمينية" في نزعتها الرامية إلى تصدير الثورة إلى باقي البلدان العربية الإسلامية، والإيديولوجية "الحركية" العنيفة ، ثم الإيديولوجية "الوهابية" المعتنقة من طرف بعض الجماعات التي أضفت عليها نزعة متشددة، بالإضافة الفراغ الذي خلفه ابتعاد العديد من الفاعلين الدينيين من علماء وأئمة ووعاظ ومرشدين عن الأدوار والمهام المنوطة بهم، واقتصارهم في حدود الطقوس والشعائر التعبدية، فغدا تحصين الهوية السياسية المغربية ضرورة أساسية، وإعطاء دور جديد للعلماء كفاعلين دينين أساسيين منتجين لأفكار ومشاريع جدية، لا مجرد مدبرين للطقوس التعبدية البسيطة.

فكان لصدور الخطاب التاريخي والظهائر والتشريعات المنظمة لهذا الحقل، أول هيكلة تستهدف الحقل الديني وتطمح التأسيس لإطار عقلاني لحركته، وتحدد الاختصاصات والمسؤوليات المندرجة ضمن ميدان عمله.

بينما تميزت رؤية الملك محمد السادس للمسألة الدينية بتكريس ثقافة التسامح والتآخي، وممارسة الدين في اعتداله ومرونته لا في غلوه وتشدده، بالإضافة إلى تأهيل الحقل الديني حتى يتلاءم مع التغييرات المجتمعية الداخلية والخارجية، ثم التفكير أخيرا في تخريج العالم والفقيه المعاصر الملم بأصول دينه والمدرك لقضايا وهموم وإشكاليات عصره، كما يعيشه ويؤثر ويتأثر به، لا عصر غيره. وذلك بمطالبة العلماء بإعمال آليات الفكر والنظر والتفكير والاجتهاد في كيفية تطوير وإعادة بناء ما تركه السلف في ميدان الدين والفكر والعقيدة والسياسة.

إن السياسة الدينية العامة للملك محمد السادس، قد مرت ـ في نظرنا ـ بمرحلتين: مرحلة الهيكلة التدريجية للمجال الديني التي امتدت من سنة 1999 إلى سنة 2003، ثم مرحلة تفعيل إصلاح الحقل الديني عبر التطبيق العملي لمعالم هذا الإصلاح بصدور الظهير الشريف رقم 1.03.193 الصادر في 9 شوال 1424 (4 ديسمبر 2003)، الذي أعاد هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية[4]، والظهير الشريف رقم 1.03.300 المنظم للمجلس الأعلى والمجالس العلمية المحلية وهو ما سنقوم بمعالجته كالآتي:

مرحلة الهيكلة التدريجية للمجال الديني: من 1999 إلى 2003.

وقد شكل الخطاب الملكي الصادر في غشت 2000، والرامي إلى إعطاء مفهوم جديد للمساجد، كمكان لممارسة الشعائر الدينية، ومنحها دورا جديدا وذلك بتحويلها إلى فضاءات لمحو الأمية والتثقيف والتوعية وفقا للثوابت الدينية والوطنية الأصيلة، على أساس أن تظل هذه المساجد تحت إشراف الملك بصفته أميرا للمومنين عبر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المكلفة بالسهر على تدبيرها ومتابعة شؤونها، تلى ذلك تنصيب جلالة الملك للمجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الإقليمية في خطاب 18 رمضان 1421 الموافق 15 دجنبر 2000 بتطوان.

لقد حكم هذا الخطاب دعوة الملك الصريحة إلى بعث جديد لهذه المجالس، وتقوية سلطة العلمية في التأطير والتجديد والاجتهاد، عبر إعادة تأهيل المجالس العلمية وتطويرها وتجديد نخبها حتى تكون في مستوى التحديات وحجم الأدوار المنوطة بها.

2. مرحلة بداية تفعيل إصلاح الحقل الديني 2003

كشفت الأحداث الأليمة التي مست مدينة الدار البيضاء أولوية الحراسة الدينية للمجتمع وضرورة تحصينه ضمانا لسلامته واستمرارية سكينته واستقراره، ولتفادي كل ما من شأنه التشويش عليه أو عرقلة مسيرته.

وإذا كان هذا الهاجس قد حظي باهتمام مؤسسي المجالس العلمية مند انطلاق المرحلة الأولى منه، فإن هذه الواقعة كانت عاملا مساعدا على تسريع وتيرة إصلاح الحقل الديني، حيث دقت ناقوس الخطر حول الوضعية الحرجة التي أضحت تجابه المجتمع المغربي بكل فئاته وشرائحه ومكوناته. فكان من الضروري إعادة التفكير في صياغة إستراتيجية جديدة للتعامل مع هذا الوضع المقلق والمتقلب، على مختلف الأصعدة الدينية والاجتماعية وغيرها، وهو ما يستدعي التلميح إلى ذلك بنوع من الإيجاز.

لقد أكدت رؤية الملك للمسألة الدينية بعد الأحداث الأليمة، على ضرورة استقصاء مختلف عوامل الخلل وبواعث التعثر الذي أفرز هذا النوع من السلوكات المنحرفة التي تحولت إلى أفعال مشينة، مما يستوجب على الأمة أن تحصن نفسها ضد مظاهر التطرف والغلو والانغلاق من خلال تكثيف الحراسة الدينية، والسير بالموازاة مع ذلك قدما في طريق الإصلاح والبناء.

إن استمرارية حضور الدين، والإيمان بمبادئه السامية ومقاصده السمحة، يعكس قوة التدين في المجتمع المغربي وامتداداته الاجتماعية والثقافية بين مختلف الشرائح الاجتماعية.

فالخلط بين هذه الاعتداءات ودور الدين ومسؤوليته كمنظومة حضارية وإنسانية وقيمية تحرم تحريما قطعيا قتل النفس التي خلقها الله، ومن ثمة تحرم كافة أشكال القتل والاعتداء والانتحار، التي تنافي حقيقة الإسلام وجوهره الحامل لكل القيم الإنسانية الحضارية النبيلة، قد بين عن نوع من الخلط – رغم محدودية الفئات المعتنقة له- في عدم التمييز بين الدين الإسلامي والفهم المنحرف لبعض التيارات وتأويلها الخاص لمضامينه وقيمه من خلال إيديولوجيات دينية تدعو العنف ضد المجتمع والسلطة والإنسان.

وهو ما عكسه الخطاب الملكي بخصوص علاقة الدين بالدولة : "وبنفس القوة، فإننا نؤكد أن علاقة الدولة بالدين محسومة في بلادنا، في ظل تنصيص الدستور على أن المملكة المغربية دولة إسلامية، وأن الملك أمير المومنين مؤتمن على حماية الدين وضمان الحريات، بما فيها حرية ممارسة شعائر الأديان السماوية الأخرى". فإشكالية علاقة الدين بالدولة من الثوابت المسلم بها، وهو ما هدف الملك محمد السادس إلى إعادة التذكير به، تأكيد عن موقف ثابت لم يشبه أي تغيير، كما ربط الخطاب الملكي بين الدين والديمقراطية كأحد أهم المرتكزات الجديدة النظام الملكي، وفقا للمذهب المالكي المنبني على روح المرونة والاعتدال، والملائمة لطبيعة الشخصية المغربية، ليخلص في الأخير إلى أن الإسلام كدين ونظام حياة سماوي والديمقراطية كنظام سياسي واجتماعي وضعي عنصران متكاملان يعضد أحدها الآخر، فالدين يحث على حرية الإنسان وحقوقه في حين أن الديمقراطية تدعم الدين وتدافع عن حرية ممارسته.

إن المحددات المرجعية التي طبعت هذه المرحلة التأسيسية الأولية في تدبير الحقل الديني، قد حكمتها الاعتبارات التالية :

1. ضرورة دعم الجهود الرامية إلى تحصين المغرب عقيدة وشريعة وسلوكا.

2. التأكيد على الربط المحكم بين الإسلام ونظام الحكم ممثلا في إمارة المومنين، وتكثيف حضورها السياسي والديني في فترة اشتدت فيها حدة تصاعد المد الديني المتطرف الجانح نحو العنف الدموي.

3. الإقرار بعدم تعارض الإسلام كدين ونظام حياة سماوي والديمقراطية كنظام سياسي واجتماعي، فهما عنصران متكاملان يعضد أحدها الآخر، ويؤمنان بحرية الإنسان واحترام حقوقه.

4. ربط مؤسسة العلماء بإمارة المومنين، تقوية لها ودعما لجودة أدائها وسلامة توجيهها.

5. تركيز ثقافة الوسطية والاعتدال، وإشاعة روح التسامح والتكافل والتآخي بين بني الإنسان.

[1] نشرت هذه الدراسة في مجلة المجلس الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى، العدد الأول رمضان 1428 الموافق أكتوبر 2007. من ص 25 إلى 30.

[2] للمزيد من التفصيل حول المغزى من التنصيص الدستوري على الملكية والإسلام يرجع إلى دراستنا: قراءة في تحولات الحقل الديني بالمملكة المغربية، في كتاب "خطب إمارة المومنين في الشأن الديني والنصوص المنظمة للمؤسسة العلمية" منشورات المجلس العلمي الأعلى 3، ذو القعدة 1427/دجنبر 2006. ص 23-25.

[3] حول هذه النقطة يمكن الرجوع إلى: قراءة في تحولات الحقل الديني بالمملكة المغربية، في كتاب "خطب إمارة المومنين في الشأن الديني والنصوص المنظمة للمؤسسة العلمية" مرجع سابق. ص 25-27.

[4] إن الارتباط المباشر لإمارة المومنين بالحقل الديني بالمغرب، يفسر لنا إخضاع التشريعات المنظمة لعمل المؤسسات التابعة لها لنصوص قانونية في صيغة ظهائر شريفة، بدءا بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية، و" معهد دار الحديث الحسنية "، و" الرابطة المحمدية للعلماء "، وبالمقابل تنظم باقي الوزارات والمؤسسات العمومية بموجب مراسيم.







2018-2000 © جميع الحقوق محفوظة