مواقعنا الاجتماعية
العلامة سيدي أحمد بن خالد الناصري السلاوي (1315هـ/1879م)

الفقيه سيدي محمد بن بناصر حركات السلاوي (1316هـ/1898م)

شيخ الجماعة أحمد بن عبد النبي السلاوي (1298-1392هـ)

العلامة القاضي سيدي عبد الله بن محمد الهاشمي ابن خضراء (1324هـ/1906م)

العلامة سيدي أحمد بن موسى السلاوي (1328هـ/1910م)


شخصية عبد الله بن ياسين الحركية والجهادية -الحلقة 2

بحث للدكتور محمد صادق الخياطي



أشرف عبد الله بن ياسين بنفسه على الرباط وأصبح حرا في الإعداد له، بناه على صورة لم تكن معروفة في الأربطة في عهده.

لقد فكر في الكيفية التي يجب أن يكون عليها رباطه فاستمدها من السلف الصالح، وأضاف إليها ما يحتاجه المجتمع. وكان يمتحن المريد ليتعرف على هدفه الذي من أجله يريد الإنضمام ومدى إخلاصه للدعوة، فكان أحيانا يقسو عليه كي يسبر غوره، فإذا وجد منه استماتة في الإنضمام إلى إخوانه بالرباط، ألزمه أن يطهر نفسه من الرجس والدنس فيسأله عما اقترفه من آثام وذنوب، ثم يطلب منه أن يتوب من ذنوبه قائلا كما رواه البكري "قد أذنبت ذنوبا كثيرة في شبابك فيجب أن يقام عليك حدودها".

لقد أرسل مريديه وأتباعه إلى الأربطة الأخرى وإلى القبائل يحدثون الناس عن رباط السنغال والحياة فيه، ودعوة الناس إلى الجهاد في سبيل الله، والطريق الصحيح الذي عليه يقوم الإسلام وأداء الواجب المفروض من صلاة وزكاة وصيام.

عبد الله بن ياسين كان بعيد النظر، خبيرا بالمجتمع الصحراوي نافذ البصيرة، له قدرة فائقة على التأثير في النفوس مما جعل الناس يؤمنون به إيمانا لا حدود له.

قال أحد المؤرخين يصف رباط السنغال وداعيته فيقول:"استأثر رباط السنغال بأنه لعب دورا هاما في ثلاث نواحي إذ كان المؤمنون يتلقون فيه العلم ويتعبدون فيه ويتطلعون إلى جهاد المشركين والقضاء على عنصر الفتنة في شمال المغرب وبذلك كان رباط السنغال مدرسة ومعبدا ونواة لدولة لعبت فيما بعد دورا بعيد الأثر في تاريخ المغرب والأندلس معا".

وقال أيضا"وفي رباط السنغال تشكل الجهاز السياسي الأول الذي جمع عددا من الشيوخ والفقهاء وعلى رأسهم (يحيى بن ابراهيم الجدالي) وعبد الله بن ياسين ، وإذ كان عبد الله عبد الله بن ياسين رجل فقه من حيث تكوينه الديني فقد كان من الناحية العملية القوة الدافعة للحركة المرابطية من الناحية السياسية أيضا لأنه هو الذي وحد بين قبائلهم ووضع لهم الخطط الحربية".

عبد الله بن ياسين رأى في أبناء رباط السنغال أماله التي طالما سعى إلى تحقيقها، فقد رأى أنها أصبحت حقيقة واقعية، رأى جيشا من المسلمين مستعدا لخوض البحر معه إن هو خاضه لا يبالون في أي جهة يقاتلون. ينتظرون صدور الأمر من قائدهم ومعلمهم.

لقد فتح لهم باب الرباط ليجاهدوا في سبيل الله، ينشرون تعاليم الإسلام الصحيحة قائلا لهم:"اخرجوا على بركة الله تعالى، وأنذروا قومكم وخوفوهم عقاب الله وأبلغوهم حجته، فإن تابوا ورجعوا إلى الحق وأطاعوا فخلوا سبيلهم، وإن أبوا وتمادوا في غيهم استعنا بالله عليهم وجاهدناهم".

وكثيرا ما كان يرفع يده إلى السماء ليردد ما قاله الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم (اللهم أن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض

وكان عبد الله بن ياسين يجمع الأموال من الزكاة والعشر فيشتري به السلاح وما يحتاج إليه. ورأى أن يختار قائدا للجيش يتولى قيادته وعليه أن يتفرغ للتكوين العام، فاختار يحيى بن عمران الذي آمن بما يدعو إليه عبد الله. وكان عبد الله بن ياسين يعد نفسه معلما ومجاهدا مع المجاهدين لا يريد ملكا ولا إمارة).

*جهاده بغانا لم يشأ الداعية أن يوجه قوته إلى الذين أخرجوه من داره من الجداليين وإنما وجهها أولا إلى قوم ما يزالون على عبادة الأوثان فاهتم بأهل غانة ولم يشأ أن يفاجئهم في عقر دارهم، ويعمل فيهم السيف على غرة، بل اتبع الطريق الذي سار عليه المسلمون في عهدهم الأول ، فأرسل إليهم من يدعوهم للدخول في الإسلام، واتباع ما جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أودفع الجزية أو القتال، لكنهم قابلوا رسل الداعية ابن ياسين بالسخرية والاستهزاء، وامسكوا بهم وقطعوا رقابهم.

فاعتبر ما قاموا به جريمة يجب أن يأخذ أصحابها بالشدة فجمع أصحابه وأطلعهم على ما قامت به غانة وأخذ رأيهم فأجمعوا على قتالهم. فذهب إليهم في عقر دارهم، وصعدوا إليهم الجبل وقاتلوهم ثلاثة أيام استبسل فيها المرابطون استبسالا عظيما، ومات منهم عدد كبير لكنهم صبروا صبرا شديدا. وفي اليوم الرابع جمع الداعية عبد الله أصحابه وشد من أزرهم وقوى من عزمهم وخطبهم قائلا "إنا احتسبنا أنفسنا في حق الله وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأراكم قد أعياكم حرب هؤلاء المشركين، ولم يأمرنا الله أن نتركهم فاستعينوا بالله ربكم ينصركم عليهم".

كان لكلمات عبد الله أثرها الفعال في قلوب المرابطين فاستعدوا للدخول في المعركة في يومها الرابع واثقين من نصر الله لهم مقدرين النتائج السيئة المترتبة على الهزيمة.

فلقد خرجوا من رباطهم يحيط بهم حقد رؤساء القبائل التي تنظر إليهم نظرة الأعداء، فإذا هزموا في أول معركة فسيقضون على رباطهم، وستتخلص منهم القبائل وإلى الأبد. ثم إن هناك بجوار الرباط قبائل الجداليين وبينهم وبين الداعية ثأر قديم، وانتصار أهل غانة سيكون فيه استهانة بالمسلمين القريبين منهم وسيستمرون في احتلالهم للأرض إن أخذوها من الملثمين عنوة وخاصة مدينة أودغست. في خضم المعركة استشهد القائد يحيى بن عمر فأسرع الداعية إلى تعيين قائد جديد هو أبوبكر بن عمر أخ ليحيى بن عمر اللمتوني. انتصرعبد الله بن ياسين وحالفه قبائل كثيرة من المناطق المجاورة لغانة وأسلموا وحسن إسلامهم.

*توحيد القبائل

إن اخطر ما واجهه الداعية عبد الله بن ياسين هي العصبية القبلية التي كانت تجري في عروقهم مجرى الدم، فهي جزء من كيانهم وحياتهم قبائل بربرية متعصبة، للقضاء عليها يحتاج إلى الحجة والدليل والقوة، وأقوى من كل هذا الفهم الكامل لتعاليم الشريعة الإسلامية، حتى تنمحي منهم حب الرياسة والزعامة وهو ما كان الداعية يسعى إلى القضاء عليه.

كانت كدالة (جدالة) ولمتونة وسوقة(سوفة) من أشد القبائل عصبية،وكدالة في مقدمة هؤلاء. فركز حركيته على توحيد الجميع في قوة تحت لواء الإسلام لا ينظر أحدهم إلى فصله وأصله ومنبته أسوته الرسول صلى الله عليه وسلم، فقرابة الإسلام أقوى من قرابة العصب والرحم والقبيلة والجوار، وغرس في الناس أن الإسلام نسب من لا نسب له. استعمل من أجل ذلك الكلمة والحديث والآية ثم القوة ما سمحت له.







2018-2000 © جميع الحقوق محفوظة